أَقسم الله -سبحانه- بهذه الأَقسام الخمسة لشرفها وعظمها، ولما فيها من الفوائد الدينية والدنوينة، فأَقسم بالفجر -وهو الصبح- لما يحصل به من ظهور الضوءِ، وانتشار الناس لتحصيل الرزق، وقيل: هو صلاة الفجر؛ لأَنها مشهودة يشهدها ملائكة الليل، وملائكة النهار، وعن مسروق، ومجاهد، ومحمد بن كعب: المراد به فجر يوم النحر خاصة، وهو خاتمة الليالي العشر، كما أَقسم بالليالي العشر لشرفها بما يقع فيها، والمراد بها: عشر ذي الحجة كما قال ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف، وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس مرفوعًا: "مَا مِنْ أَيَّام الْعَمَلُ الصَّالِحُ أَحَبُّ إِلى الله فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّام) يعني عشر ذي الحجة. قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبيل الله إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بنَفْسَهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِن ذَلِكَ بِشَيْءٍ)، وقيل: المراد العشر الأَول من المحرم وفيها يوم عاشوراء، وقد ورد في فضله ما ورد. وروي
عن ابن عباس أَنهن العشر الأَواخر من رمضان، واستدل له بعضهم بالحديث المتفق على صحته؛ قالت عائشة - رضي الله تعالى عنها-: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذاَ دَخَلَ الْعَشْرُ -تعني العشر الأَواخر من رمضان- شَدَّ مِئْزَرَهُ وأَحْيَا لَيْلَهُ، وأَيْقَظَ أهله" وأَيًّا ما كان فتنكير ليالٍ للتعظيم، وقيل: للتبعيض، لأَنها بعض ليالي السنة أَو الشهر. وكونه للتعظيم والتفخيم أَولى.
(وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) أَي: أَقسم -سبحانه- بشفع الأَشياءٍ ووترها، أَو بشفع هذه الليالي وترها، أَو بشفع الصلاة وترها، أَو بيوم النحر وهو شفع، وبيوم عرفة وهو وتر، وقد كثرت فيها الأَقوال، والله أَعلم بحقيقة الحال.
(وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ) أَي: أَقسم بالليل وقت أَن يسري فيه، وإِسناد السُّرى إليه مجاز، على حد "ليل نائم" أَي: يُنام فيه: أَو المراد: أَقسم بالليل إِذ يمضي بقدرة الله العجيبة، كقوله تعالى: "وَاللَّيْلِ إِذَا أَدْبَرَ" والقسم بالليل لما فيه من الستر الذي قد يقتضيه الحال، وجواب هذا القَسَم والأَقسام السابقة محذوف يدل عليه قوله تعالى "أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ" إِلى قوله: "فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ" أَي: ليعذبن الذين كفروا بالله، وأَنكروا البعث أَشد العذاب وأَقساه
(هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْر) المشار إِليه بـ (ذَلِكَ) هو الأَمور الخمسة المقسم بها، والاستفهام للتقرير، أَي: إِن في هذه الأُمور المشتملة على باهر الحكمة وعجيب الصنعة قسمًا مقنعًا لذي عقل ولب فضلا على أَنها مستحقة لأَن يقسم بها تنبيهًا على شأْنها، وفخامة قدرها لإِشارتها إِلى الخالق العظيم.
استشهاد بعلمه ﵊ بما يدل عليه من تعذيب عاد وأَضرابهم المشاركين لقومه ﷺ في الطغيان والفساد، كأَنه قيل: أَلم تعلم علمًا يوازي العيان في الإِيقان كيف عذب ربك عادًا ونظائرهم؟! فيعذب هؤُلاءِ أَيضًا لاشتراكم فيما يوجبه