أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴿١٧﴾
Kitab tafsir: Tafsiru Ibn Katsir
· Pengarang: ابن كثير
الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيهِمْ﴾ أي: أجَعل هؤلاء المشركون مع الله آلهة تناظر الرب وتماثله في الخلق، فخلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم، فلا يدرون أنها مخلُوقة من مخلوق غيره، أي: ليس الأمر كذلك، فإنه لا يشابهه شيء ولا يماثله، ولا ند له، ولا عدل له، ولا وزير له، ولا ولد ولا صاحبة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا، وإنما عبد هؤلاء المشركون معه آلهة هم معترفون أنها مخلوقة له عبيد له، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك (¬٥٩). وكما [¬١] أخبر تعالى عنهم في قوله: ﴿مَا [¬٢] ﴿نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ فأنكر تعالى عليهم ذلك حيث اعتقدوا ذلك، وهو تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الآية، وقال [¬٣]: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ فإذا كان الجميع عبيدًا فَلِمَ يعبد بعضهم بعضًا بلا دليل ولا برهان. بل بمجرَّد الرأي والاختراع والابتداع، ثم قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم تزجرهم عن ذلك، وتنهاهم عن عبادة من سوى الله، فكذبوهم وخالفوهم، فحقت عليهم كلمة العذاب لا محالة ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال (١٧)﴾
اشتملت هذه الآية الكريمة على مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه، والباطل في اضمحلاله وفنائه، فقال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أي: مطرًا [¬٤] ﴿فَسَالتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ أي: أخذ كل واحد بحسبه، فهذا كبير وسع كثيرًا من الماء، وهذا صغير فوسع بقدره، وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها، فمنها ما يسع علمًا كثيرًا ومنها ما لا يتسع لكثير من العلوم بل يضيق عنها ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ أي: فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زبد عال عليه، هذا مثل، وقوله: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيهِ فِي النَّارِ
Juz 8, halaman 130 ›
ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ﴾ الآية، هذا هو المثل الثاني: وهو ما يسبك في النار من ذهب أو فضة ابتغاء حلية، [أي: ليجعل] [¬١] حلية نحاس أو حديدٍ فيجعل متاعا، فإنه يعلوه زيد منه كما يعلو ذلك زيد منه ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ أي: إذا اجتمعا لا ثبات للباطل ولا دوام له، كما أن الزبد لا يثبت مع الماء، ولا مع الذهب ونحوه مما يسبك في النار، بل يذهب ويضمحل، ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ أي: لا ينتفع به، بل يتفرق ويتمزق ويذهب في جانبي الوادي، ويعلق بالشجر، وتنسفه الرياح، وكذلك خبث الذهب والفضة والحديد والنحاس يذهب لا يرجع منه [] [¬٢]، شيء، [ولا يبقى إلا الماء] [¬٣] وذلك [¬٤] الذهب ونحوه ينتفع به، ولهذا قال: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال﴾، كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾.
وقال [¬٥] بعض السلف (¬٦٠): كنت إذا قرأت مثلًا من القرآن فلم فهمه بكيت على نفسي، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾.
قال علي بن أبي طلحة (¬٦١)، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الآية: هذا مثل ضربه الله احتمدت منه القلوب على قدر يقينها وشكها، فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله، وهو قوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ﴾ [وهو الشك] [¬٦] ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ وهي اليقين، وكما يُجْعل الحلي في النار، فيؤخذ خالصُه ويترك خَبَثُه في النار، فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك.
وقال العوفي (¬٦٢)، عن ابن عباس قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ يقول: احتمل السيل ما في الوادي من عود ودمنة [¬٧] ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيهِ فِي النَّارِ﴾ فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد، فللنحاس
Juz 8, halaman 131 ›
والحديد خبث فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء، فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة، وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت، فجعل ذاك مثل العمل الصالح يبقى لأهله، والعمل السيئ يضمحل عن أهله كما يذهب هذا الزبد، وكذلك الهدى والحق جاء [¬١] من عند الله فمن عمل بالحق كان له، وبقي كما يبقى ما ينفع الناس في الأرض، وكذلك الحديد لا يستطاع أن يعمل [¬٢] منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار، فتأكل خبثه ويخرج جيده فينتفع به، فكذلك [¬٣] يضمحل الباطل، فإذا [¬٤] كان يوم القيامة وأقيم الناس وعرضت الأعمال، فيزيغ [¬٥] الباطل ويهلك، وينتفع أهل الحق بالحق.
وهكذا روي في تفسيرها عن مجاهد والحسن البصري وعطاء وقتادة وغير واحد من السلف والخلف.
وقد ضرب ﷾ في أول سورة البقرة للمنافقين مثلين، ناريًّا ومائيًّا وهما قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ الآية، ثم قال: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ الآية، وهكذا ضرب للكافرين في سورة النور مثلين؛ أحدهما قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ [بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً] [¬٦]﴾ الآية، والسراب إنما يكون في شدة الحر، ولهذا جاء في الصحيحين (¬٦٣): فيقال لليهود يوم القيامة فما تريدون؟ فيقولون: أي ربنا عطشنا فاسقنا. فيقال: ألا تردون؟ فيردون النار فإذا هي كسراب [¬٧] يحطم بعضها بعضًا.
ثم قال تعالى في المثل الآخر: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ [يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ] [¬٨]﴾ الآية، وفي الصحيحين (¬٦٤) عن أبي موسى الأشعري [﵁، أن] [¬٩] رسول الله، ﷺ، قال: "إن مثل مما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكان [¬١٠] منها طائفة طيبة [¬١١] قبلت الماء،
Juz 8, halaman 132 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.