أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴿١٧﴾
Kitab tafsir: Tafsir ad-Durrah (I'rab)
· Pengarang: محمد علي طه الدرة
سماوات، وأرضين، وشمسا، وقمرا، وجبالا، وبحارا، وإنسا، وجنّا؟. ﴿فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ أي:
لم يميزوا بين خلق الله، وبين ما خلقت آلهتهم وأصنامهم التي يعبدونها. ﴿قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: المعنى إذا تفكر هؤلاء المشركون بعقولهم وجدوا الله تعالى هو المنفرد بخلق سائر الأشياء، وما يعبده هؤلاء جمادات مخلوقة، بل هي من جملة ما خلق الله تعالى. ﴿وَهُوَ الْواحِدُ﴾ أي: المنفرد بخلق الأشياء كلها. ﴿الْقَهّارُ﴾: لعباده، حتى يدخلهم تحت قضائه، وقدره، وإرادته، وانظر الآية رقم [٣٩] من سورة (يوسف) ﵇، هذا؛ وفي الآية الكريمة رد على القدرية والمعتزلة الذين يقولون: إن العبد يخلق أفعاله، كما أنها ترد على من لا يعترف بالصانع الحكيم أيضا.
الإعراب: ﴿أَمْ﴾: حرف عطف. ﴿جَعَلُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، هذا؛ ويجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من ﴿شُرَكاءَ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿خَلَقُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿كَخَلْقِهِ﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: خلقوا خلقا مشبها خلقه، والجملة الفعلية: ﴿خَلَقُوا..﴾. إلخ في محل نصب صفة ﴿شُرَكاءَ،﴾ وجملة: ﴿جَعَلُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿فَتَشابَهَ﴾: الفاء: حرف عطف. (تشابه): ماض. ﴿الْخَلْقُ﴾: فاعله. ﴿عَلَيْهِمْ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة: (تشابه...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها؛ لأنها مفرعة عنها. ﴿اللهُ خالِقُ﴾: مبتدأ وخبر، و ﴿خالِقُ﴾: مضاف، و ﴿كُلِّ﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و (كلّ): مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفندا. والحالية ضعيفة.
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ اِبْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ (١٧)﴾
الشرح: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أي: من السحاب، أو من السماء نفسها، فإن المبادئ منها، قال الخازن: لما شبه الله الكافر بالأعمى، والمؤمن بالبصير، وشبه الكفر بالظلمات، والإيمان بالنور ضرب لذلك مثلا، قال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ يعني: المطر. ﴿فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ أي: فجرت أودية، والأودية لا تجري؛ فهو مثل: جرى النهر والمراد جرى الماء في النهر،
Juz 4, halaman 704 ›
فحذف لدلالة الكلام عليه، ومعنى بقدرها: بملئها، الكبير بقدره، والصغير بقدره، وفيه احتراس من أن السيل غير ضار للممطور، بل هو نافع له.
وقال ابن عباس-﵄-أنزل من السماء ماء، يعني: قرآنا، وهذا مثل ضربه الله تعالى، ويريد بالأودية القلوب، شبه نزول القرآن الجامع للهدى والنور والبيان بنزول المطر؛ لأن المطر إذا نزل عم نفعه، وكذلك نزول القرآن، وشبه القلوب بالأودية؛ لأن الأودية يستقر فيها الماء، وكذلك القلوب يستقر فيها القرآن، والعرفان ببركة نزول القرآن فيها، وهذا خاص للمؤمنين؛ لأنهم الذين انتفعوا بالقرآن وخذ ما يلي:
عن أبي موسى الأشعري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيّبة، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها، وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى، إنّما هي قيعان، لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فتعلّم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به». متفق عليه.
قال العلماء: الأرض ثلاثة أنواع، وكذلك الناس؛ لأنهم منها خلقوا، فالنوع الأول من أنواع الأرض: الطيبة التي تنتفع بالمطر، فتنبت به العشب، فينتفع الناس به والدواب بالشرب والرعي وغير ذلك، وكذلك النوع الأول من الناس من يبلغه الهدى وغير ذلك من العلم، فيحيا به قلبه، ويحفظه، ويعمل به، ويعلمه غيره، فينتفع به وينفع غيره. النوع الثاني من الأرض: أرض لا تقبل الانتفاع في نفسها، لكن فيها فائدة لغيرها، وهي إمساك الماء لغيرها؛ لينتفع به الناس والدواب، وكذلك النوع الثاني من الناس، لهم قلوب حافظة، لكن ليس لهم أفهام ثاقبة، فيبقى ما عندهم من العلم حتى يجيء المحتاج إليه المتعطش لما عندهم من العلم، فيأخذه منهم، فينتفع به هو وغيره. النوع الثالث من الأرض: أرض سبخة، لا تنبت مرعى، ولا تمسك ماء، كذلك النوع الثالث من الناس، ليس لهم قلوب حافظة ولا أفهام ثاقبة، فإذا بلغهم شيء من العلم، لا ينتفعون به في أنفسهم، ولا ينفعون غيرهم، والله أعلم. ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً﴾ أي: حمل السيل المذكور الحاصل من سيلان الأودية فوق سطحه زبدا، وهو ما يعلو الماء من الرغوة. ﴿رابِياً﴾: منتفخا مرتفعا، قال الخازن: وهنا تم المثل.
﴿وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ﴾: هذا مثل آخر، والمعنى ينشأ زبد آخر مثل زبد الماء فوق ما يغلى في النار. ﴿اِبْتِغاءَ حِلْيَةٍ﴾: والمراد بذلك ما يغلى في النار من الأتربة المخلوطة ببعض المعادن كالذهب والفضة ونحوهما، لاستخراجه من التراب بواسطة النار، والضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ يعود إلى ما يطلب للزينة والحلية من المعادن الثمينة، وإن لم يكن مذكورا؛ لأن الحلية لا تطلبه
Juz 4, halaman 705 ›
إلا منها. ﴿أَوْ مَتاعٍ﴾ أي: طلب متاع آخر غير المعادن الثمينة مما ينتفع به الناس كالحديد والنحاس والرصاص ونحوه مما يذاب، وتتخذ منه الأواني وغيرها كآلات الحرب، هذا؛ ويقرأ الفعل بالياء على الغيبة، وبالتاء على الخطاب، والمتاع: كل ما يتمتع به، ويقال لكل ما ينتفع به في البيت كالطبق والقدر ونحو ذلك من الأواني: متاع.
﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ أي: هذا الزبد مثل الزبد الذي يعلو فوق سطح السيل. ﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ﴾ أي: يمثل الله الحق والباطل بما ذكر، فالحق هو الجوهر الصافي الثابت، والباطل هو الزبد الطافي فوقه الذي لا ينتفع به. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً﴾ أي: ضائعا باطلا، حيث يتفرق ويضيع على حافتي الوادي المفعم بالسيل. ولا تنس: أن الزبد هذا يراد به زبد السيل وزبد الماء المغلى. ﴿وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ﴾: يعني الماء الصافي.
والجوهر الجيد من هذه الأجسام التي تذاب. ﴿فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يثبت، ويبقى، ولا يذهب، هذا؛ ومكث يمكث بمعنى: أقام يقيم. قال الكميت يذم ولاة السوء: [الطويل]
فتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم... فحتّام حتّام العناء المطوّل؟
والمكث بضم الميم وتكسر، وهذا على أنه اسم، وأما المصدر، فإن كان فعله من باب نصر، فهو بضم الميم أيضا، وإن كان من باب كرم، فهو بفتح الميم.
﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ﴾: قال أهل التفسير والمعاني: هذا مثل ضربه الله للحق والباطل، فالباطل وإن علا على الحق في بعض الأوقات والحالات، فإن الله يمحقه ويبطله، ويجعل العاقبة الحسنة للحق وأهله، كالزبد الذي يعلو على الماء، فيذهب الزبد، ويبقى الماء الصافي الذي ينتفع به، وكذلك الصافي من الجواهر والمعادن يبقى، ويذهب ما يعلو فوقه من الكدر، وانظر ما ذكرته من تفسير وتمثيل آنفا، واقرأ الحديث جيدا وتفهمه وتدبره، والله يتولاني ويتولاك بعنايته ورعايته.
الإعراب: ﴿أَنْزَلَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى الله. ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الماء، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿السَّماءِ﴾: مفعول به، وجملة: ﴿أَنْزَلَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (سالت): ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَوْدِيَةٌ﴾:
فاعل. ﴿بِقَدَرِها﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة أودية، و (ها): في محل جر بالإضافة، وجملة: (سالت...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها. ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً﴾:
ماض وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿رابِياً﴾: صفة زبدا. (مما): متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وجملة: ﴿يُوقِدُونَ عَلَيْهِ﴾ صلة (ما) الموصولة، والعائد الضمير المجرور محلا ب ﴿عَلَيْهِ﴾. ﴿فِي النّارِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلاّ ب (على) ومنع القرطبي الاعتبار الأول. ﴿اِبْتِغاءَ﴾: مفعول لأجله،
Juz 4, halaman 706 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.