﴿مِنْ مَاءٍ﴾ التَّنكير للتَّنويع، أي: نوع من الماء غير معهود سقيه. قال مجاهد وغيره: هو ما يسيل من أجساد أهل النَّار (¬١).
﴿صَدِيدٍ﴾: هو قيح؛ أي: دم مختلط بمِدَّةٍ (¬٢) يسيل من الجرح، عطفُ بيان لـ ﴿مَاءٍ﴾، فأبهمه إبهامًا، ثم بيَّنه بـ ﴿صَدِيدٍ﴾، وخصَّه مِن بين أنواع العذاب بالذِّكر إيذانًا بأنَّه أشدُّ عذابها (¬٣)، ولشدَّته قال:
(١٧) - ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾.
﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ للمبالغة، أي: يتكلَّف جرعه ولا يقارب أن يُسيغه، فكيف بالإساغة؟ بل يغصُّ به فيطول عذابه.
والسَّوغ: جواز الشَّراب على الحلق بسهولة وقَبولِ نَفْسٍ.
والتَّجرع: تناوله جرعةً جرعةً على الاستمرار، ويلزمه التَّكلُّف فيه، وما جاء في الحديث بأنه يشربه محمولٌ على ذلك (¬٤).
وقوله: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ صفةُ الماء، أو حال من الضَّمير في ﴿وَيُسْقَى﴾.
Juz 5, halaman 438 ›
﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ﴾؛ أي: أسبابُه مع الشدائد.
﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ فيحيط به جميع الجهات، ففيه إطلاق المكان على الجهة تنصيصًا على أنَّ المراد أسباب العذاب الجسماني لا أسباب (¬١) العذاب الرُّوحاني، وذلك لأنَّ الجهة قد تُوُسِّعَ فيها توسعًا شائعًا بخلاف المكان.
وقيل (¬٢): من كلِّ مكانٍ من جسده، حتى من أصول شعره وإبهام رجله.
﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾؛ أي: ليس ممَّنْ فقدَ (¬٣) الحسَّ والشُّعور حتى لا يتألَّمُ، والتَّجوُّز عنه بالميت سائغ شائع في كلام الفصحاء، وقد حسُن هاهنا موقعه؛ لِمَا في ظاهره من الإبهام إلى أنَّ موجب ما ذكر من مجيء أسباب الموت من جميع الجهات هو أن يكون ميتًا.
ومَن حمل الميت على حقيقته فقد نزَّل الكلام عن منزلته، والمناسب لإرادة (¬٤) الحقيقة إيراده بصيغة المضارع، كما ورد في قوله تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ١٣].
﴿وَمِنْ وَرَائِهِ﴾: من بين يديه ﴿عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ في كلِّ وقت يستقبله؛ أي: يتلقَّى عذابًا أغلظ ممَّا كان قبله، ففيه دفع ما يسبق (¬٥) إلى الوهم من أن يخفَّف عذابهم بالاعتياد، كما هو المعهود من عذاب أهل الدُّنيا.
* * *
Juz 5, halaman 439 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.