والخلاصة- إن الذي عليه المعوّل عند جمهرة المسلمين أنه أسرى به ﵇ يقظة لا مناما من مكة إلى بيت المقدس راكبا البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب، ودخله يصلى فى قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم ركب البراق وعاد إلى مكة بغلس.
المامة فى المعراج
يرى بعض العلماء أن عروج النبي ﷺ إلى السموات السبع كان بجسده وروحه يقظة لا مناما لدليلين:
(ا) آية الإسراء إذ صرح فيها بأنه أسرى بعبده، والعبد مجموع الروح والجسد، فوجب أن يكون الإسراء حاصلا بهما.
(ب) الحديث المروي فى الكتب الصحاح كالبخارى ومسلم وغيرهما، وهو يدل على أن الذهاب من مكة إلى بيت المقدس ثم منه إلى السموات العلى ثم إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام.
وأنكره آخرون وأثبتوا أن المعراج كان بالروح فحسب لوجوه:
(١) إن الحركة البالغة فى السرعة إلى هذا الحد غير معقوله.
(٢) إنه لو صح ذلك لكان أعظم المعجزات وكان يجب أن يظهر حين اجتماع الناس حتى يستدلّ به على صدقه فى ادعاء النبوة، فأما أن يحصل ذلك فى وقت لا يراه فيه أحد، ولا يشاهده فيه مشاهد، فإن ذلك عبث لا يليق بحكمة الحكيم.
(٣) إن الصعود بالجسم إلى العالم العلوي فوق طبقات معينة مستحيل، لأن الهواء معدوم، فلا يمكن أن يعيش فيه الجسم الحي أو يتنفس فيه.
(٤) إن حديث المعراج اشتمل على أشياء فى غاية البعد:
(ا) شق بطنه وتطهيره بماء زمزم، والذي يغسل بالماء هو النجاسات العينية، ولا تأثير لذلك فى تطهير القلب من العقائد الزائفة، والأخلاق المذمومة.
Juz 15, halaman 8 ›
(ب) ركوب البراق ولا حاجة له بذلك لأن العالم العلوي فى غنى عن ذلك.
(ج) إنه تعالى أوجب خمسين صلاة، ولم يزل محمد ﷺ يتردد بين الله وموسى إلى أن عاد الخمسون إلى خمس بسبب شفقة موسى ﵇ وهذا غير جائز كما قال القاضي أبو بكر الباقلاني لأنه يقتضى نسخ الحكم قبل العمل به، وهذا بداء محال على الله.
(د) لم يقل أحد من المسلمين بأن الأنبياء أحياء بأجسادهم فى العالم العلوي، وإنما الحياة هناك حياة روحية لا جسمانية، والتخاطب والكلام معهم والصلاة بهم من الأمور الروحية لا الجسمية، إذ لا يعقل غير هذا- وبهذا يثبت المعراج الرّوحى لا الجسماني.
ويمكن أن يجيب الأولون عن الاستبعادات العقلية بأن هذه معجزة، والله تعالى قادر على خرق سننه بسنة أخرى، ككل معجزات الأنبياء، من انقلاب العصا حية ثم عودتها فى مدة قصيرة عصا صغيرة كما كانت.
ويبقى أمر الحديث، واشتماله على أمور غريبة، لا حاجة إليها فى تصديق النبوة، والمحاورة فى فرض الصلوات وانتقالها من خمسين إلى خمس مما يستدعى رد الحديث وعدم النظر إليه لاضطراب متنه كما قال القاضي أبو بكر الباقلاني وإن صححه رواة الحديث باعتبار سنده.
عظة وذكرى
إنا لنقف قليلا لدى هذين الحادثين الجليلين لنستخلص منهما أمورا هى الغاية فى العظة والاعتبار:
(١) إن هاتين الرحلتين الرحلة الأرضية (الإسراء) والرجلة السماوية (المعراج) حدثتا فى ليلة واحدة قبل الهجرة بسنة، ليمحّص الله المؤمنين، ويبين منهم صادق الإيمان ومن في قلبه منهم مرض، فيكون الأول خليقا بصحبة رسوله الأعظم إلى دار
Juz 15, halaman 9 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.