فليحذر كفار قريش من مثله، أي: فحين كذبوا رسلهم جاءهم إنكاري بالتدمير، والإهلاك، والاستئصال، ولم تغن عنهم قوتهم، ولا أموالهم، ولا أولادهم شيئا، فما لكفار قريش لا يهتدون، ولا يعتبرون بهؤلاء؟! فلا يرتدعون عما هم عليه من الكفر، والعصيان، والطغيان.
بعد هذا انظر شرح (الكفر) في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء)، وشرح (صاحب) في الآية رقم [٣٤] من سورة (الكهف)، وشرح ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٦٥] من سورة (الأنبياء).
الإعراب: ﴿وَأَصْحابُ:﴾ معطوف على ﴿قَوْمُ نُوحٍ..﴾. إلخ، و (أصحاب) مضاف، و ﴿مَدْيَنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. (كذّب): ماض مبني للمجهول. ﴿مُوسى:﴾ نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (قد كذبت...) إلخ أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. (أمليت): فعل، وفاعل. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَخَذْتُهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَكَيْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (كيف):
اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها، ومفاد الاستفهام الإنكار، والتعجب. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿نَكِيرِ:﴾ اسم كان مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ مستأنفة لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها.
﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾
الشرح: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي: كثير من القرى. ﴿أَهْلَكْناها:﴾ أهلكنا أهلها، ويقرأ:
«(أهلكتها)». ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ أي: لنفسها بالكفر، وارتكاب المعاصي. ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ:﴾ ساقطة.
﴿عَلى عُرُوشِها:﴾ على سقوفها، وقيل: إن أشجار العنب المعرشة سقطت عروشها على الأرض.
ومثله في (البقرة) الآية رقم [٢٥٩]، وفي الكهف [٤٢]. ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ أي: وكم من بئر عامرة في البوادي متروكة مخلاة، لا يسقى منها أحد لهلاك أهلها. ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ أي: رفيع طويل، وقيل: مشيد بالجص، وأصحاب القصور ملوك الحضر، وأصحاب الآبار ملوك البوادي، والمعنى: أهلكنا هؤلاء، وهؤلاء، ول: (قصر) صفة محذوفة، أي: معطل غير مسكون.
هذا؛ وقيل: إن البئر المعطلة، والقصر المشيد باليمن، أما القصر فعلى قلّة جبل، والبئر في سفحه، ولكل واحد منهما قوم، كانوا في نعمة، فكفروا، فأهلكهم الله، وبقي القصر، والبئر
Juz 6, halaman 178 ›
خاليين. وقيل: إن هذه البئر كانت بحضرموت في بلدة يقال لها: حاضوراء، وذلك أن أربعة آلاف نفر ممن آمن بصالح ﵇ لما نجوا من العذاب أتوا إلى حضرموت، ومعهم صالح، فلما وصلوا إلى حضرموت؛ مات صالح، فسمّي المكان حضرموت لذلك، ولما مات صالح؛ بنوا حاضوراء، وقعدوا على هذا البئر، وأمّروا عليهم رجلا منهم، فأقاموا دهرا، وتناسلوا حتى كثروا، وعبدوا الأصنام، فأرسل الله تعالى إليهم نبيا يقال له: حنظلة بن صفوان، فوعظهم، ونهاهم، فقتلوه في السوق، فأهلكهم الله، وعطلت بئرهم، وخرب قصرهم. انتهى. خازن.
هذا؛ وقال السهيلي. وأما القصر المشيد؛ فقصر بناه شدّاد بن عاد بن إرم، لم يبن مثله في الأرض-فيما ذكروا، وزعموا-. وحاله أيضا كحال هذه البئر المذكورة في إيحاشه بعد الأنيس. انتهى. قرطبي. أقول وهذا القصر ذكره الله تعالى في سورة (الفجر)، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى. هذا؛ وسمي القصر قصرا؛ لقصور الفقراء عن تحصيله، وحبسهم عن نيله، والوصول إليه، والأظهر أن البئر، والقصر على العموم من غير تعيين.
هذا؛ وأما (كأين): أصلها: «أي» الاستفهامية، دخلت عليها كاف التشبيه، فصارت بمعنى «كم» الخبرية التكثيرية، وهي كناية عن عدد مبهم مثل: «كم» و «كذا» وفيها خمس لغات، كلها قرئ بها: إحداها: (كأيّن) وهي الأصل، وبها قرأ الجماعة إلا ابن كثير. والثانية: «(كائن)» بوزن: كاعن، وبها قرأ ابن كثير، وجماعة، وهي أكثر استعمالا من (كأيّن) وإن كانت الأصل، وهو كثير في الشعر العربي. الثالثة: «(كئين)» بوزن: كريم. الرابعة: «(كيئن)» بياء ساكنة، وهمزة مكسورة. والخامسة: «(كأن)» بوزن: كفن. هذا؛ والجلال المحلي اعتبر (كأيّن) بسيطة غير مركبة، وأن آخرها نون من نفس الكلمة لا تنوين؛ لأن هذه الدعاوى المتقدمة لا يقوم عليها دليل، والشيخ رحمه الله تعالى سلك في ذلك الطريق الأسهل، والنحويون ذكروا هذه الأشياء محافظة على أصولهم مع ما ينضم إلى ذلك من الفوائد، وتشحين الذهن، وتمرينه. انتهى.
جمل.
هذا؛ و (البئر) ركية الماء التي تطوى بالحجارة، قال سنان بن الفحل الطائي: [الوافر]
فإنّ الماء ماء أبي وجدّي... وبئري ذو حفرت وذو طويت
فإذا لم تبن بالحجارة فهي: جب، كما رأيت في الآية رقم [١٠] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وهي مؤنثة، وجمعها في القلة: أبؤر، وأبآر، ومن العرب من يقلب الهمزة، فيقول: آبار، فإذا كثرت فهي البئار، كالديار.
الإعراب: ﴿فَكَأَيِّنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (كأين): اسم كناية بمعنى كثير مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وأجاز السمين اعتباره مفعولا به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قَرْيَةٍ:﴾ تمييز ل: (كأين) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة
Juz 6, halaman 179 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.