﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاِجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (٧٤)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا..﴾. إلخ: في هذه الآية إرشاد كريم من الله تعالى، وتعليم لعباده أن يسألوا الله الذرية الصالحة، والزوجة المطيعة، والمتقية، كيف لا؟ وقد قال الله تعالى حكاية عن قول زكريا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾. وقد دعا الرسول ﷺ؛ لأنس بن مالك بقوله: «اللهمّ أكثر ماله وولده، وبارك له فيه».
وذلك أن الإنسان إذا بورك له في ماله وولده، قرت عينه بأهله وعياله؛ حتى إذا كانت عنده زوجة صالحة مطيعة، اجتمعت له فيها أمانيه من جمال وعفة، وكانت عنده ذرية محافظون على الطاعة، معاونون له على وظائف الدين والدنيا، لم يلتفت إلى زوجة غيره، ولا إلى ولده، فقد قيل: ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته، وأولاده مطيعين لله ﷿، فيطمع أن يحلّوا معه في الجنة، فيتم سروره، وتقر عينه بذلك. هذا؛ ويقرأ «(ذريتنا)» بالإفراد، و (هب) ماضيه وهب، فتحذف الواو من مضارعه وأمره، مثل وعد، يعد، عد. ووزن، يزن، زن. والقياس من كسر الهاء؛ لأن الواو لا تسقط إلا على هذا التقرير، مثل عد، وزن ونحوهما، إلا أن الهاء فتحت من يهب؛ لأنها حرف حلق، فهي عارضة، فلذلك لم تعد الواو كما لم تعد في يسع ويدع.
﴿وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً﴾ أي: أئمة يقتدون بنا في الخير. وفيه دليل على أن الرياسة في الدين مطلوبة، وطلبها من الله مندوب، وكان القشيري أبو القاسم شيخ الصوفية يقول: الإمامة بالدعاء لا بالدعوى، أي: بتوفيق الله، وتيسيره ومنته، لا بما يدعيه كل واحد لنفسه. وقال إبراهيم النخعي: لم يطلبوا الرياسة في الدنيا، بل بأن يكونوا قدوة في الدين.
هذا؛ و ﴿أَزْواجِنا﴾ جمع: زوج، وهو يطلق على الرجل، والمرأة، والقرينة تبين الذكر، والأنثى، ويقال لها أيضا: زوجة، وحذف التاء منها أفصح إلا في الفرائض، فإنها بالتاء أفصح لتوضيح الوارث. هذا؛ والزوج: القرين، قال تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ أي:
وقرناءهم، الآية رقم [٢٢] من سورة (الصافات). والزوج: ضد الفرد، وكل واحد منهما يسمى زوجا أيضا، يقال للاثنين هما زوجان، وهما زوج، كما يقال: هما سيان، وهما سواء، وقال تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: من كل نوع ذكرا وأنثى، الآية رقم [٤٠] من سورة (هود) وقال تعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ..﴾. إلخ الآية رقم [١٤٣] من سورة (الأنعام)، والمعنى:
ثمانية أفراد، والزوج: الصنف، والنوع، قال تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٠]: ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أي: صنف من النبات، وقال تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. (ذرياتنا): جمع: ذرية، وهي النسل من بني
Juz 6, halaman 526 ›
آدم، وهي تقع على الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً﴾ وعلى الواحد كما في قوله تعالى حكاية عن قول زكريا ﵇: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾. قيل: هي مشتقة من الذّرا بفتح الذال، وهو كل ما استذريت به، يقال: أنا في ظل فلان، وفي ذراه، أي في كنفه وستره، وتحت حمايته، وهو بضم الذال: أعلى الشيء، وقيل:
هي مشتقة من الذّرء، وهو الخلق، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ،﴾ وقال تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أبدلت همزة الذّرء ياء، ثم شددت الياء، وتبعتها الراء في التشديد.
﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ:﴾ يحتمل أن تكون من القرار، وهو السكون، والهدوء، ويحتمل أن تكون من القرّ، وهو الأشهر، والقرّ: البرد؛ لأن العرب تتأذى بالحر، وتستريح إلى البرد، وأيضا فإن دمع السرور بارد، ودمع الحزن ساخن؛ فمن هذا يقال: أقر الله عينك، وأسخن الله عين العدو.
قال الشاعر: [الطويل]
فكم سخنت بالأمس عين قريرة... وقرّت عيون دمعها اليوم ساكب
وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣] من سورة (القصص) وقد وحد ﴿قُرَّةَ﴾ لأنه مصدر، والمصدر يصلح للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وإنما قال: ﴿أَعْيُنٍ﴾ وهو جمع قلة بخلاف: «عيون» وهو جمع كثرة؛ لأنه أراد أعين المتقين، وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم، قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾. هذا؛ ولفظ (إمام) يستوي فيه المفرد، والجمع، فالمطابقة حاصلة. وقال البيضاوي: وتوحيد ﴿إِماماً﴾ لدلالته على الجنس، وعدم اللبس كقوله جل ذكره في الآية رقم [٥] من سورة (الحج): ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ أو لأنه مصدر في أصله، أو لأن المراد، واجعل كل واحد منا إماما، أو لأنهم كنفس واحدة، لاتحاد طريقتهم، واتفاق كلمتهم. وقيل: هو جمع آم، كصائم، وصيام، ومعناه: قاصدين لهم، مقتدين بهم. انتهى. بتصرف. هذا؛ و (إمام): قدوة، وهو أيضا الكتاب، والرسول، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ والإمام: الطريق الذي يؤتم به، قال تعالى في سورة (الحجر):
﴿وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ وخذ قول لبيد في معلقته: [الكامل]
من معشر سنّت لهم آباؤهم... ولكلّ قوم سنّة وإمامها
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): معطوف على ما قبله. ﴿يَقُولُونَ:﴾
فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، الواو ضمير متصل في محل رفع فاعل. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿هَبْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ أَزْواجِنا:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿هَبْ﴾ أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿قُرَّةَ﴾
Juz 6, halaman 527 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.