﴿وَأَصْبَحَ﴾ هنا بمعنى: وصار، و ﴿بِالْأَمْسِ﴾ بمعنى: منذ زمان قريب، واستعماله بهذا المعنى مجاز مشهور، ومن المفسرين من حملهما على معناهما الحقيقي، ونحن نوثر المعنى الأول في تأْويل الآية؛ لما فيه من الاحتياط في تأْويلها، ولشموله للمعنى الثاني أيضًا.
ومعنى الآية: وصار الذي تمنوا منذ زمان قريب مثل ما أُوتي قارون من السعة والغنى يقولون: نَعجب ممَّا حدث لقارون، ونندم على تمنينا مثل ما أُوتى حقًّا إن الله يوسع الرزق لمن يشاء من عباده لا لِكرَامَة تقتضى البسط، ويضيقه على من يشاء، لا لهوان يقتضي التضييق، فهو الحكيم في قضائه وقدره، لولا أن منَّ الله علينا فلم يعطنا ما تمنينا لخسف بنا كقارون؛ لأن المال يغوينا كما أغواه، ويدمرنا كما دمره، نعجب مرة أُخرى من هذا العقاب، ونندم على تمنينا مثل يساره الذي فتنه، إنه لا يفلح الكافرون بنعم الله، المؤثرون لدنياهم على دينهم، المكذبون برسلهم ووعْدِهِم ووعيدهم، فهم الخاسرون النادمون.
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾
المفردات:
﴿عُلُوًّا﴾: استكبارًا. ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾: الخاتمة الطيبة.
٨٣ - ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾:
هذه الجنة العظيمة الموجودة في الآخرة بنعيمها الدائم، وجمالها الباسم نجعلها ثوابًا للمؤمنين الصالحين الذين لا يريدون بنعم الله عليهم تعالِيًا على الناس، وسلطانًا فوقهم،
Juz 7, halaman 1816 ›
ولا يريدون بها عدوانًا وظلما يفسد عليهم حياتهم، والعاقبة المحمودة في شرع الله وحكمه للذين يتقون غضبه فيطيعون أمره، ويجتنبون نهيه، ويسالمون عباده.
جاء في حديث صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "يأيها الناس إني أُوحي إليّ أن تواضعوا، ألا فتواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد، وكونوا عباد الله إخوانًا" أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه، ومن أحب أن يتجمل بين الناس بنعم الله عليه فلا يعد هذا تعاليًا ولا كبًرا، فقد صح أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني أُحب أَن يكون ردائي حسنًا ونعلى حسنة أفمن الكبر ذلك؟ فقال: "لا، إن الله جميل يحب الجمال" أخرجه الإِمام مسلم والإمام أحمد.
٨٤ - ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
من جاء يوم الحساب والجزاء بالخصلة الحسنة عقيدة أو عملا، فله جزاء خير منها، حيث يضاعف الله ثوابها بحسب ما فيها من حسن النية والأداءِ، ومن جاء بالخصلة السيئة عقيدة أو عملا فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا بمثل ما كانوا يعملونه من السيئات دون زيادة عليهما، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (¬١).
وإنما قال: من جاء بالحسنة ومن جاء بالسيئة، ولم يقل: من عمل الحسنة ومن عمل السيئة للدلالة على أن استحقاق الثواب أو العقاب مستفاد من الخاتمة التي يجيء بها الإنسان لربه، لا من أول العمل، فمن أمضى عمره في الكفر ثم أسلم وحسن عمله فقد جاء ربَّهُ بالحسنة وله ثوابه، ومن أمضى عمره في الإيمان والعمل الصالح ثم كفر، فقد جاءَ ربه بالسيئة وله عقابه. نعوذ بالله من سوء الخاتمة.
Juz 7, halaman 1817 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.