Kitab tafsir: Tafsir ar-Razi
· Pengarang: الفخر الرازي
قَلْبِهِ فَبَعْدَ ذَلِكَ يُسْمِعُهُ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى بُطْلَانِهِ، فَيَكُونُ هَذَا الطَّرِيقُ أَفْضَى إِلَى الْمَقْصُودِ. وَالْأَطِبَّاءُ يَقُولُونَ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الْمُنْضِجِ عَلَى سَقْيِ الْمُسَهِّلِ فَإِنَّ بِتَنَاوُلِ الْمُنْضِجِ تَصِيرُ الْمَوَادُّ الْفَاسِدَةُ رَخْوَةً قَابِلَةً لِلزَّوَالِ، فَإِذَا سَقَيْتَهُ الْمُسَهِّلَ بَعْدَ ذَلِكَ حَصَلَ النَّقَاءُ التَّامُّ، فَكَذَلِكَ هاهنا سَمَاعُ التَّهْدِيدِ وَالتَّخْوِيفِ أَوَّلًا يَجْرِي مَجْرَى سَقْيِ الْمُنْضِجِ أَوَّلًا، وَإِسْمَاعُ الدَّلِيلِ ثَانِيًا يَجْرِي مَجْرَى سَقْيِ الْمُسَهِّلِ ثَانِيًا. فَهَذَا هُوَ الْفَائِدَةُ فِي تَقْدِيمِ هَذَا التَّهْدِيدِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ وَالْمُرَادُ أَنَّ مَنْ أَصَرَّ عَلَى الْكَذِبِ وَالْكُفْرِ بَقِيَ مَحْرُومًا عَنِ الْهِدَايَةِ، وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْكَذِبِ وصفهم لهذه الْأَصْنَامِ بِأَنَّهَا آلِهَةٌ مُسْتَحِقَّةٌ لِلْعِبَادَةِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهَا جَمَادَاتٌ خَسِيسَةٌ وَهُمْ نَحَتُوهَا وَتَصَرَّفُوا فِيهَا، وَالْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ حَاصِلٌ بِأَنَّ وَصْفَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِالْإِلَهِيَّةِ كَذِبٌ مَحْضٌ، وَأَمَّا الْكُفْرُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْكُفْرَ الرَّاجِعَ إِلَى الِاعْتِقَادِ، والأمر هاهنا كَذَلِكَ فَإِنَّ وَصْفَهُمْ لَهَا بِالْإِلَهِيَّةِ كَذِبٌ، وَاعْتِقَادَهُمْ فِيهَا بِالْإِلَهِيَّةِ جَهْلٌ وَكُفْرٌ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كُفْرَانَ النِّعْمَةِ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الْعِبَادَةَ نِهَايَةُ التَّعْظِيمِ وَنِهَايَةُ التَّعْظِيمِ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِمَنْ يَصْدُرُ عَنْهُ غَايَةُ الْإِنْعَامِ، وَذَلِكَ الْمُنْعِمُ هُوَ اللَّهُ ﷾ وَهَذِهِ الْأَوْثَانُ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي ذَلِكَ الْإِنْعَامِ فَالِاشْتِغَالُ بِعِبَادَةِ هَذِهِ الْأَوْثَانِ يُوجِبُ كُفْرَانَ نِعْمَةِ الْمُنْعِمِ الْحَقِّ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ إِقَامَةُ الدَّلَائِلِ الْقَاهِرَةِ عَلَى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الْوَلَدِ وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوِ اتَّخَذَ وَلَدًا لَمَا رَضِيَ إِلَّا بِأَكْمَلِ الْأَوْلَادِ وَهُوَ الِابْنُ فَكَيْفَ نَسَبْتُمْ إِلَيْهِ الْبِنْتَ الثَّانِي: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَاحِدٌ حَقِيقِيٌّ وَالْوَاحِدُ الْحَقِيقِيُّ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، أَمَّا أَنَّهُ وَاحِدٌ حَقِيقِيٌّ فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُرَكَّبًا لَاحْتَاجَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَائِهِ وَجُزْؤُهُ غَيْرُهُ، فَكَانَ يَحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ وَالْمُحْتَاجُ إِلَى الْغَيْرِ مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ، وَالْمُمْكِنُ لِذَاتِهِ لَا يَكُونُ وَاجِبَ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ، وَأَمَّا أَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ فَلِوُجُوهٍ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْوَلَدَ عِبَارَةٌ عَنْ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الشَّيْءِ يَنْفَصِلُ عَنْهُ، ثُمَّ يَحْصُلُ لَهُ صُورَةٌ مُسَاوِيَةٌ لِصُورَةِ الْوَالِدِ. وَهَذَا إِنَّمَا يُعْقَلُ فِي الشَّيْءِ الَّذِي يَنْفَصِلُ مِنْهُ جُزْءٌ وَالْفَرْدُ الْمُطْلَقُ لَا يُقَالُ ذَلِكَ فِيهِ الثَّانِي: شَرْطُ الْوَلَدِ أَنْ يَكُونَ مُمَاثِلًا فِي تَمَامِ الْمَاهِيَّةِ لِلْوَالِدِ فَتَكُونُ حَقِيقَةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ حَقِيقَةً نَوْعِيَّةً مَحْمُولَةً عَلَى شَخْصَيْنِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ لِأَنَّ تَعْيِينَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنْ كَانَ مِنْ لَوَازِمِ تِلْكَ الْمَاهِيَّةِ لَزِمَ أَنْ لَا يَحْصُلَ مِنْ تِلْكَ الْمَاهِيَّةِ إِلَّا الشَّخْصُ الْوَاحِدُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّعْيِينُ مِنْ لَوَازِمِ تِلْكَ الْمَاهِيَّةِ كَانَ ذَلِكَ التَّعْيِينُ مَعْلُومًا بِسَبَبٍ مُنْفَصِلٍ، فَلَا يَكُونُ إِلَهًا وَاجِبَ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ. فَثَبَتَ أَنَّ كَوْنَهُ إِلَهًا وَاجِبَ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ يُوجِبُ كَوْنَهُ وَاحِدًا فِي حَقِيقَتِهِ، وَكَوْنُهُ وَاحِدًا فِي حَقِيقَتِهِ يَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِ الْوَلَدِ لَهُ، فَثَبَتَ أَنَّ كَوْنَهُ وَاحِدًا يَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِ الْوَلَدِ الثَّالِثُ: أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مِنَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَالزَّوْجَانِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَلَوْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ لَمَا كَانَ وَاحِدًا بَلْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ مِنْ جِنْسِهِ، وَأَمَّا أَنَّ كَوْنَهُ قَهَّارًا يَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِ الْوَلَدِ لَهُ، فَلِأَنَّ الْمُحْتَاجَ إِلَى الْوَلَدِ هُوَ الَّذِي يَمُوتُ فَيَحْتَاجُ/ إِلَى وَلَدٍ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَالْمُحْتَاجُ إِلَى الْوَلَدِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مَقْهُورًا بِالْمَوْتِ، أَمَّا الَّذِي يَكُونُ قَاهِرًا وَلَا يَقْهَرُهُ غَيْرُهُ كَانَ الْوَلَدُ فِي حَقِّهِ مُحَالًا، فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ: هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ أَلْفَاظٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى دَلَائِلَ قَاطِعَةٍ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى.
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٥ الى ٧]
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)
Juz 26, halaman 422 ›
[في قوله تعالى خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ إلى قوله أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ] اعْلَمْ أَنَّ الْآيَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ كَوْنَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الْوَلَدِ بِكَوْنِهِ إِلَهًا وَاحِدًا وَقَهَّارًا غَالِبًا أَيْ كَامِلَ الْقُدْرَةِ، فَلَمَّا بَنَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ ذَكَرَ عَقِيبَهَا مَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الْقُدْرَةِ وَعَلَى كَمَالِ الِاسْتِغْنَاءِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ تَعَالَى طَعَنَ فِي إِلَهِيَّةِ الْأَصْنَامِ فَذَكَرَ عَقِيبَهَا الصِّفَاتِ الَّتِي بِاعْتِبَارِهَا تَحْصُلُ الْإِلَهِيَّةُ، وَاعْلَمْ أَنَّا بَيَّنَّا فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ الدَّلَائِلِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي/ إِثْبَاتِ إِلَهِيَّتِهِ، إِمَّا أَنْ تَكُونَ فَلَكِيَّةً أَوْ عُنْصُرِيَّةً، أَمَّا الْفَلَكِيَّةُ فأقسام أحدها: خلق السموات وَالْأَرْضِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْإِلَهِ الْقَادِرِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ شَرَحْنَاهَا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [الْأَنْعَامِ: ١] وَالثَّانِي:
اخْتِلَافُ أَحْوَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وهو المراد هاهنا مِنْ قَوْلِهِ: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَذَلِكَ لِأَنَّ النُّورَ وَالظُّلْمَةَ عَسْكَرَانِ مَهِيبَانِ عَظِيمَانِ، وَفِي كُلِّ يَوْمٍ يَغْلِبُ هَذَا ذَاكَ تَارَةً، وَذَاكَ هَذَا أُخْرَى. وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَغْلُوبٌ مَقْهُورٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ غَالِبٍ قَاهِرٍ لَهُمَا يَكُونَانِ. تَحْتَ تَدْبِيرِهِ وَقَهْرِهِ وَهُوَ اللَّهُ ﷾، وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا التَّكْوِيرِ أَنَّهُ يَزِيدُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ مَا يَنْقُصُ عَنِ الْآخَرِ، وَالْمُرَادُ مِنْ تَكْوِيرِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَا
وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ»
أَيْ مِنَ الْإِدْبَارِ بَعْدَ الْإِقْبَالِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ ﷾ عَبَّرَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَبِقَوْلِهِ: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ [الْأَعْرَافِ:
٥٤] وَبِقَوْلِهِ: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ [فاطر: ١٣] وَبِقَوْلِهِ: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ [الْفُرْقَانِ: ٦٢] وَالثَّالِثُ: اعْتِبَارُ أَحْوَالِ الْكَوَاكِبِ لَا سِيَّمَا الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، فَإِنَّ الشَّمْسَ سُلْطَانُ النَّهَارِ وَالْقَمَرَ سُلْطَانُ اللَّيْلِ، وَأَكْثَرُ مَصَالِحِ هَذَا الْعَالَمِ مَرْبُوطَةٌ بِهِمَا وَقَوْلُهُ: كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى الْأَجَلُ الْمُسَمَّى يَوْمُ الْقِيَامَةِ، لَا يَزَالَانِ يَجْرِيَانِ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ذَهَبَا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [الْقِيَامَةِ: ٩] وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا التَّسْخِيرِ أَنَّ هَذِهِ الْأَفْلَاكَ تَدُورُ كَدَوَرَانِ الْمَنْجَنُونِ عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَعِنْدَهُ تُطْوَى السَّمَاءُ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ.
وَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ مِنَ الدَّلَائِلِ الْفَلَكِيَّةِ قَالَ: أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ وَالْمَعْنَى أَنَّ خَلْقَ هَذِهِ الْأَجْرَامِ الْعَظِيمَةِ وَإِنْ دَلَّ عَلَى كَوْنِهِ عَزِيزًا أَيْ كَامِلُ الْقُدْرَةِ إِلَّا أَنَّهُ غَفَّارٌ عَظِيمُ الرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْإِخْبَارُ عَنْ كَوْنِهِ عَظِيمَ الْقُدْرَةِ يُوجِبُ الْخَوْفَ وَالرَّهْبَةَ فَكَوْنُهُ غَفَّارًا يُوجِبُ كَثْرَةَ الرَّحْمَةِ، وَكَثْرَةُ الرَّحْمَةِ تُوجِبُ الرَّجَاءَ وَالرَّغْبَةَ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَتْبَعَ ذِكْرَ الدَّلَائِلِ الْفَلَكِيَّةِ بِذِكْرِ الدَّلَائِلِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ الْأَسْفَلِ، فَبَدَأَ بِذِكْرِ الْإِنْسَانِ فَقَالَ: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَدَلَالَةُ تَكَوُّنِ الْإِنْسَانِ عَلَى الْإِلَهِ الْمُخْتَارِ قَدْ سَبَقَ بَيَانُهَا مِرَارًا كَثِيرَةً، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ جَازَ أَنْ يَقُولَ: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَالزَّوْجُ مَخْلُوقٌ قَبْلَ خَلْقِهِمْ؟ أَجَابُوا عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ: أَنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ كَمَا تَجِيءُ لِبَيَانِ كَوْنِ إِحْدَى
Juz 26, halaman 423 ›
الْوَاقِعَتَيْنِ مُتَأَخِّرَةً عَنِ الثَّانِيَةِ، فَكَذَلِكَ تَجِيءُ لِبَيَانِ تَأَخُّرِ أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ عَنِ الْآخَرِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ بَلَغَنِي مَا صَنَعْتَ الْيَوْمَ، ثُمَّ مَا صَنَعْتَ أَمْسِ كَانَ أَعْجَبَ، وَيَقُولُ أَيْضًا قَدْ أَعْطَيْتُكَ الْيَوْمَ شَيْئًا، ثُمَّ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ أَمْسِ أَكْثَرُ الثَّانِي:
أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ خُلِقَتْ وَحْدَهَا ثُمَّ جُعِلَ مِنْهَا زَوْجُهَا الثَّالِثُ: أَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ كَالذَّرِّ ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ حَوَّاءَ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ الِاسْتِدْلَالَ بِخَلْقِهِ الْإِنْسَانَ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الِاسْتِدْلَالَ/ بِوُجُودِ الْحَيَوَانِ عَلَيْهِ فَقَالَ: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالضَّأْنُ وَالْمَعْزُ وَقَدْ بَيَّنَّا كَيْفِيَّةَ دَلَالَةِ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ فِي قَوْلِهِ: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ [النَّحْلِ: ٥] وَفِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَأَنْزَلَ لَكُمْ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَضَاءَ اللَّهِ وَتَقْدِيرَهُ وَحُكْمَهُ مَوْصُوفٌ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّمَاءِ لِأَجْلِ أَنَّهُ كَتَبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كُلَّ كَائِنٍ يَكُونُ الثَّانِي: أَنَّ شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ لَا يَعِيشُ إِلَّا بِالنَّبَاتِ وَالنَّبَاتُ لَا يَقُومُ إِلَّا بِالْمَاءِ وَالتُّرَابِ، وَالْمَاءُ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ فَصَارَ التَّقْدِيرُ كَأَنَّهُ أَنْزَلَهَا الثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَهَا فِي الْجَنَّةِ ثُمَّ أَنْزَلَهَا إِلَى الْأَرْضِ وَقَوْلُهُ: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ أَيْ ذَكَرٌ وَأُنْثَى مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، وَالزَّوْجُ اسْمٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَعَهُ آخَرُ، فَإِذَا انْفَرَدَ فَهُوَ فَرْدٌ مِنْهُ قَالَ تَعَالَى: فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى [الْقِيَامَةِ: ٣٩] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ وَفِيهِ أَبْحَاثٌ:
الْأَوَّلُ: قَرَأَ حَمْزَةُ بِكَسْرِ الْأَلِفِ وَالْمِيمِ، وَالْكِسَائِيُّ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ، وَالْبَاقُونَ أُمَّهَاتِكُمْ بِضَمِّ الْأَلْفِ وَفَتْحِ الْمِيمِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ تَخْلِيقَ النَّاسِ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَهُوَ آدَمُ ﵇ أَرْدَفَهُ بِتَخْلِيقِ الْأَنْعَامِ، وَإِنَّمَا خَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْحَيَوَانَاتِ بَعْدَ الْإِنْسَانِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَ ذِكْرِهِمَا حَالَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَبَيْنَ الْأَنْعَامِ وَهِيَ كَوْنُهَا مَخْلُوقَةً فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ وَقَوْلُهُ: خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ الْمُرَادُ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلُهُ:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [الْمُؤْمِنُونَ:
١٢- ١٤] وَقَوْلُهُ: فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ قِيلَ الظُّلُمَاتُ الثَّلَاثُ الْبَطْنُ وَالرَّحِمُ وَالْمَشِيمَةُ وَقِيلَ الصُّلْبُ وَالرَّحِمُ وَالْبَطْنُ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْحَالَاتِ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا شَرَحَ هَذِهِ الدَّلَائِلَ وَوَصَفَهَا قَالَ: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ أَيْ ذَلِكُمُ الشَّيْءُ الَّذِي عَرَفْتُمْ عَجَائِبَ أَفْعَالِهِ هُوَ اللَّهُ رَبُّكُمْ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى كَوْنِهِ ﷾ مُنَزَّهًا عَنِ الْأَجْزَاءِ وَالْأَعْضَاءِ وَعَلَى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الْجِسْمِيَّةِ وَالْمَكَانِيَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ تعالى عند ما أَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَ عِبَادَهُ ذَاتَهُ الْمَخْصُوصَةَ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا كَوْنَهُ فَاعِلًا لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَلَوْ كَانَ جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنَ الْأَعْضَاءِ لَكَانَ تَعْرِيفُهُ بِتِلْكَ الْأَجْزَاءِ وَالْأَعْضَاءِ تَعْرِيفًا لِلشَّيْءِ بِأَجْزَاءِ حَقِيقَتِهِ، وَأَمَّا تَعْرِيفُهُ بِأَحْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَآثَارِهِ فَذَلِكَ تَعْرِيفٌ لَهُ بِأُمُورٍ خَارِجَةٍ عَنْ ذَاتِهِ. وَالتَّعْرِيفُ الْأَوَّلُ أَكْمَلُ مِنَ الثَّانِي، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْقِسْمُ مُمْكِنًا لَكَانَ الِاكْتِفَاءُ بِهَذَا الْقِسْمِ الثَّانِي تَقْصِيرًا وَنَقْصًا وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، فَعَلِمْنَا أَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِهَذَا الْقِسْمِ إِنَّمَا حَسُنَ لِأَنَّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ مُحَالٌ مُمْتَنِعُ الْوُجُودِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ ﷾ مُتَعَالِيًا عَنِ الْجِسْمِيَّةِ وَالْأَعْضَاءِ وَالْأَجْزَاءِ.
Juz 26, halaman 424 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.