Kitab tafsir: Tafsir ar-Razi
· Pengarang: الفخر الرازي
عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
[الزُّمَرِ: ٤٢] ، فاللَّه ﷻ يَقْبِضُ الْأَرْوَاحَ عَنِ التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت، وهاهنا بَحْثٌ: وَهُوَ أَنَّ النَّائِمَ لَا شَكَّ أَنَّهُ حَيٌّ وَمَتَى كَانَ حَيًّا لَمْ تَكُنْ رُوحُهُ مَقْبُوضَةً الْبَتَّةَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللَّه تَوَفَّاهُ فَلَا بُدَّ هاهنا مِنْ تَأْوِيلٍ وَهُوَ أَنَّ حَالَ النَّوْمِ تَغُورُ الْأَرْوَاحُ الْحَسَّاسَةُ مِنَ الظَّاهِرِ فِي الْبَاطِنِ فَصَارَتِ الْحَوَاسُّ الظَّاهِرَةُ مُعَطَّلَةً عَنْ أَعْمَالِهَا، فَعِنْدَ النَّوْمِ صَارَ ظَاهِرُ الْجَسَدِ مُعَطَّلًا عَنْ بَعْضِ الْأَعْمَالِ، وَعِنْدَ الْمَوْتِ صَارَتْ جُمْلَةُ الْبَدَنِ مُعَطَّلَةً عَنْ كُلِّ الْأَعْمَالِ، فَحَصَلَ بَيْنَ النَّوْمِ وَبَيْنَ الْمَوْتِ مُشَابَهَةٌ مِنْ هَذَا الِاعْتِبَارِ، فَصَحَّ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْوَفَاةِ وَالْمَوْتِ عَلَى النَّوْمِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. ثُمَّ قَالَ: وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ يُرِيدُ مَا كَسَبْتُمْ مِنَ الْعَمَلِ بِالنَّهَارِ قَالَ تَعَالَى: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ وَالْمُرَادُ مِنْهَا الْكَوَاسِبُ مِنَ الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ وَاحِدَتُهَا جَارِحَةٌ. قَالَ تَعَالَى: الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ
أَيِ اكْتَسَبُوا. وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُرَادُ مِنْهُ أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ أَيْ يرد إليكم أرواحكم في النهار، والبعث هاهنا الْيَقَظَةُ. ثُمَّ قَالَ:
لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى أَيْ أَعْمَارُكُمُ الْمَكْتُوبَةُ، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ وَالْمَعْنَى يَبْعَثُكُمْ مِنْ نَوْمِكُمْ إِلَى أَنْ تَبْلُغُوا آجَالَكُمْ، وَمَعْنَى الْقَضَاءِ فَصْلُ الْأَمْرِ عَلَى سَبِيلِ التَّمَامِ، وَمَعْنَى قَضَاءِ الْأَجَلِ فَصْلُ مُدَّةِ الْعُمْرِ مِنْ غَيْرِهَا بِالْمَوْتِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ يُنِيمُهُمْ أَوَّلًا ثُمَّ يُوقِظُهُمْ ثَانِيًا كَانَ ذَلِكَ جَارِيًا مَجْرَى الْإِحْيَاءِ بَعْدَ الْإِمَاتَةِ، لَا جَرَمَ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ الْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ. فَقَالَ: ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فِي لَيْلِكُمْ وَنَهَارِكُمْ وَفِي جميع أحوالكم وأعمالكم.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٦١ الى ٦٢]
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (٦٢)
[قوله تعالى وهو القاهر فوق عباده] اعْلَمْ أَنَّ هَذَا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِ قُدْرَةِ اللَّه تَعَالَى وَكَمَالِ حِكْمَتِهِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّا بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ هَذِهِ الْآيَةِ الْفَوْقِيَّةَ بِالْمَكَانِ وَالْجِهَةِ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهَا الْفَوْقِيَّةَ بِالْقَهْرِ وَالْقُدْرَةِ، كَمَا يُقَالُ أَمْرُ فُلَانٍ فَوْقَ أَمْرِ فُلَانٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ أَعْلَى وَأَنْفَذُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الْفَتْحِ: ١٠] وَمِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ مُشْعِرٌ بِأَنَّ هَذَا الْقَهْرَ إِنَّمَا حَصَلَ بِسَبَبِ هَذِهِ الْفَوْقِيَّةِ، وَالْفَوْقِيَّةُ الْمُفِيدَةُ لِصِفَةِ الْقَهْرِ هِيَ الْفَوْقِيَّةُ بِالْقُدْرَةِ لَا الْفَوْقِيَّةُ بِالْجِهَةِ، إِذِ الْمَعْلُومُ أَنَّ الْمُرْتَفِعَ فِي الْمَكَانِ قَدْ يَكُونُ مَقْهُورًا. وَتَقْرِيرُ هَذَا الْقَهْرِ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ قَهَّارٌ لِلْعَدَمِ بِالتَّكْوِينِ وَالْإِيجَادِ، وَالثَّانِي:
أَنَّهُ قَهَّارٌ لِلْوُجُودِ بِالْإِفْنَاءِ وَالْإِفْسَادِ فَإِنَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَنْقُلُ الْمُمْكِنَ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ تَارَةً وَمِنَ الْوُجُودِ إِلَى الْعَدَمِ أُخْرَى. فَلَا وُجُودَ إِلَّا بِإِيجَادِهِ وَلَا عَدَمَ إِلَّا بِإِعْدَامِهِ فِي الْمُمْكِنَاتِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ قَهَّارٌ لِكُلِّ ضِدٍّ بِضِدِّهِ فَيَقْهَرُ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ وَالظُّلْمَةَ بِالنُّورِ، وَالنَّهَارَ بِاللَّيْلِ وَاللَّيْلَ بِالنَّهَارِ. وَتَمَامُ تَقْرِيرِهِ فِي قَوْلِهِ: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٦] .
وَإِذَا عَرَفْتَ مَنْهَجَ الْكَلَامِ. فَاعْلَمْ أَنَّهُ بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ لِأَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ فَلَهُ ضِدٌّ، فَالْفَوْقُ ضِدُّهُ التَّحْتُ،
Juz 13, halaman 13 ›
وَالْمَاضِي ضِدُّهُ الْمُسْتَقْبَلُ، وَالنُّورُ ضِدُّهُ الظُّلْمَةُ، وَالْحَيَاةُ ضِدُّهَا الْمَوْتُ، وَالْقُدْرَةُ ضِدُّهَا الْعَجْزُ. وَتَأَمَّلْ فِي سائل الْأَحْوَالِ وَالصِّفَاتِ لِتَعْرِفَ أَنَّ حُصُولَ التَّضَادِّ بَيْنَهَا يَقْضِي عَلَيْهَا بِالْمَقْهُورِيَّةِ وَالْعَجْزِ وَالنُّقْصَانِ، وَحُصُولُ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي الْمُمْكِنَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهَا مُدَبِّرًا قَادِرًا قَاهِرًا مُنَزَّهًا عَنِ الضِّدِّ وَالنِّدِّ، مُقَدَّسًا عَنِ الشَّبِيهِ وَالشَّكْلِ.
كَمَا قَالَ: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَالرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا/ الْبَدَنَ مُؤَلَّفٌ مِنَ الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ. وَهِيَ مُتَنَافِرَةٌ مُتَبَاغِضَةٌ مُتَبَاعِدَةٌ بِالطَّبْعِ وَالْخَاصَّةِ فَاجْتِمَاعُهَا لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ بِقَسْرِ قَاسِرٍ وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَ إِنَّ ذَلِكَ الْقَاسِرَ هُوَ النَّفْسُ الْإِنْسَانِيَّةُ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ سِينَا فِي الْإِشَارَاتِ لِأَنَّ تَعَلُّقَ النَّفْسِ بِالْبَدَنِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ حُصُولِ الْمِزَاجِ وَاعْتِدَالِ الْأَمْشَاجِ، وَالْقَاهِرُ لِهَذِهِ الطَّبَائِعِ عَلَى الِاجْتِمَاعِ سَابِقٌ عَلَى هَذَا الِاجْتِمَاعِ، وَالسَّابِقُ عَلَى حُصُولِ الِاجْتِمَاعِ مُغَايِرٌ لِلْمُتَأَخِّرِ عَنْ حُصُولِ الِاجْتِمَاعِ. فَثَبَتَ أَنَّ الْقَاهِرَ لِهَذِهِ الطَّبَائِعِ عَلَى الِاجْتِمَاعِ لَيْسَ إِلَّا اللَّه تَعَالَى، كَمَا قَالَ: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَأَيْضًا فَالْجَسَدُ كَثِيفٌ سُفْلِيٌّ ظُلْمَانِيٌّ فَاسِدٌ عَفِنٌ، وَالرُّوحُ لَطِيفٌ عُلْوِيٌّ نُورَانِيٌّ مُشْرِقٌ بَاقٍ طَاهِرٌ نَظِيفٌ، فَبَيْنَهُمَا أَشَدُّ الْمُنَافَرَةِ وَالْمُبَاعَدَةِ. ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْقَهْرِ وَالْقُدْرَةِ، وَجَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَكْمَلًا بِصَاحِبِهِ مُنْتَفِعًا بِالْآخَرِ. فَالرُّوحُ تَصُونُ الْبَدَنَ عَنِ الْعُفُونَةِ وَالْفَسَادِ وَالتَّفَرُّقِ، وَالْبَدَنُ يَصِيرُ آلَةً لِلرُّوحِ فِي تَحْصِيلِ السِّعَادَاتِ الْأَبَدِيَّةِ، وَالْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ، فَهَذَا الِاجْتِمَاعُ وَهَذَا الِانْتِفَاعُ لَيْسَ إِلَّا بِقَهْرِ اللَّه تَعَالَى لِهَذِهِ الطَّبَائِعِ، كَمَا قَالَ وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَأَيْضًا فَعِنْدَ دُخُولِ الرُّوحِ فِي الْجَسَدِ أَعْطَى الرُّوحَ قُدْرَةً عَلَى فِعْلِ الضِّدَّيْنِ، وَمُكْنَةً مِنَ الطَّرَفَيْنِ إِلَّا أَنَّهُ يَمْتَنِعُ رُجْحَانُ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ تَارَةً وَالتَّرْكِ عَلَى الْفِعْلِ أُخْرَى إِلَّا عِنْدَ حُصُولِ الدَّاعِيَةِ الْجَازِمَةِ الْخَالِيَةِ عَنِ الْمُعَارِضِ. فَلَمَّا لَمْ تَحْصُلْ تِلْكَ الدَّاعِيَةُ امْتَنَعَ الْفِعْلُ وَالتَّرْكُ فَكَانَ إِقْدَامُ الْفَاعِلِ عَلَى الْفِعْلِ تَارَةً وَعَلَى التَّرْكِ أُخْرَى بِسَبَبِ حُصُولِ تِلْكَ الدَّاعِيَةِ فِي قَلْبِهِ مِنَ اللَّه يَجْرِي مَجْرَى الْقَهْرِ فَكَانَ قَاهِرًا لِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَإِذَا تَأَمَّلْتَ هَذِهِ الْأَبْوَابَ عَلِمْتَ أَنَّ الْمُمْكِنَاتِ وَالْمُبْدِعَاتِ وَالْعُلْوِيَّاتِ وَالسُّفْلِيَّاتِ وَالذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ كُلَّهَا مَقْهُورَةٌ تَحْتَ قَهْرِ اللَّه مُسَخَّرَةٌ تَحْتَ تَسْخِيرِ اللَّه تعالى، كما قال: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً [البحث الأول] فَالْمُرَادُ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ قَهْرِهِ لِعِبَادِهِ إِرْسَالَ الْحَفَظَةِ عَلَيْهِمْ وَهَؤُلَاءِ الْحَفَظَةُ هُمُ الْمُشَارُ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرَّعْدِ: ١١] وَقَوْلُهُ: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٨] وَقَوْلُهُ: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ [الِانْفِطَارِ: ١٠، ١١] وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ حُضُورِ هَؤُلَاءِ الْحَفَظَةِ ضَبْطُ الْأَعْمَالِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُمْ يَكْتُبُونَ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِيَ وَالْمُبَاحَاتِ بِأَسْرِهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: مالِ هذَا الْكِتابِ لَا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها [الْكَهْفِ: ٤٩]
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ مَلَكَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِهِ، فَإِذَا تَكَلَّمَ الْإِنْسَانُ بِحَسَنَةٍ كَتَبَهَا مَنْ عَلَى الْيَمِينِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِسَيِّئَةٍ قَالَ مَنْ عَلَى الْيَمِينِ لِمَنْ عَلَى الْيَسَارِ انْتَظِرْهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ كَتَبَ عَلَيْهِ.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَقْوَى لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:
وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً يُفِيدُ حَفَظَةَ الْكُلِّ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ.
وَالْبَحْثُ الثَّانِي: أَنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الْآيَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اطِّلَاعَ هَؤُلَاءِ الْحَفَظَةِ عَلَى الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، أَمَّا عَلَى صِفَاتِ الْقُلُوبِ وَهِيَ الْعِلْمُ وَالْجَهْلُ فَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى اطِّلَاعِهِمْ عَلَيْهَا. أَمَّا فِي الْأَقْوَالِ، فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ وَأَمَّا فِي الْأَعْمَالِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً
Juz 13, halaman 14 ›
كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ
[الِانْفِطَارِ: ١٠- ١٢] فَأَمَّا الْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ وَالْإِخْلَاصُ وَالْإِشْرَاكُ فَلَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى اطِّلَاعِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهَا.
الْبَحْثُ الثَّالِثُ: ذَكَرُوا فِي فَائِدَةِ جَعْلِ الْمَلَائِكَةِ مُوَكَّلِينَ عَلَى بَنِي آدَمَ وُجُوهًا: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُكَلَّفَ إِذَا عَلِمَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مُوَكَّلُونَ بِهِ يُحْصُونَ عَلَيْهِ أَعْمَالَهُ وَيَكْتُبُونَهَا في صحائف تعرض على رؤوس الْأَشْهَادِ فِي مَوَاقِفِ الْقِيَامَةِ كَانَ ذَلِكَ أَزْجَرَ لَهُ عَنِ الْقَبَائِحِ. الثَّانِي: يُحْتَمَلُ فِي الْكِتَابَةِ أَنْ يَكُونَ الْفَائِدَةُ فِيهَا أَنْ تُوزَنَ تِلْكَ الصَّحَائِفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَنَّ وَزْنَ الْأَعْمَالِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، أَمَّا وَزْنُ الصَّحَائِفِ فَمُمْكِنٌ. الثَّالِثُ: يَفْعَلُ اللَّه مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. وَيَجِبُ عَلَيْنَا الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ سَوَاءٌ عَقَلْنَا الْوَجْهَ فِيهِ أَوْ لَمْ نَعْقِلْ، فَهَذَا حَاصِلُ مَا قَالَهُ أَهَلُّ الشَّرِيعَةِ وَأَمَّا أَهْلُ الْحِكْمَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى وُجُوهٍ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: قَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْهُمْ: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ الْقَهْرِ أَنَّهُ خَلَطَ الطَّبَائِعَ الْمُتَضَادَّةَ وَمَزَجَ بَيْنَ الْعَنَاصِرِ الْمُتَنَافِرَةِ، فَلَمَّا حَصَلَ بَيْنَهَا امْتِزَاجٌ اسْتَعَدَّ ذَلِكَ الْمُمْتَزِجُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِامْتِزَاجِ لِقَبُولِ النَّفْسِ الْمُدَبِّرَةِ وَالْقُوَى الْحِسِّيَّةِ وَالْحَرَكِيَّةِ وَالنُّطْقِيَّةِ فَقَالُوا الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً تِلْكَ النُّفُوسُ وَالْقُوَى، فَإِنَّهَا هِيَ الَّتِي تَحْفَظُ تِلْكَ الطَّبَائِعَ الْمَقْهُورَةَ عَلَى امْتِزَاجَاتِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْقُدَمَاءِ أَنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ الْبَشَرِيَّةَ وَالْأَرْوَاحَ الْإِنْسَانِيَّةَ مُخْتَلِفَةٌ بِجَوَاهِرِهَا مُتَبَايِنَةٌ، بِمَاهِيَّاتِهَا، فَبَعْضُهَا خَيِّرَةٌ وَبَعْضُهَا شِرِّيرَةٌ وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الذَّكَاءِ وَالْبَلَادَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالنَّذَالَةِ وَالشَّرَفِ وَالدَّنَاءَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الصِّفَاتِ وَلِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْوَاحِ السُّفْلِيَّةِ رُوحٌ سَمَاوِيٌّ هُوَ لَهَا كَالْأَبِ الشَّفِيقِ وَالسَّيِّدِ الرَّحِيمِ يُعِينُهَا عَلَى مُهِمَّاتِهَا فِي يَقَظَاتِهَا وَمَنَامَاتِهَا تَارَةً عَلَى سَبِيلِ الرُّؤْيَا، وَأُخْرَى عَلَى سَبِيلِ الْإِلْهَامَاتِ فَالْأَرْوَاحُ الشِّرِّيرَةُ لَهَا مَبَادِئُ مِنْ عَالَمِ الْأَفْلَاكِ، وَكَذَا الْأَرْوَاحُ الْخَيِّرَةُ وَتِلْكَ الْمَبَادِئُ تُسَمَّى في مصطلحهم بالطباع التام يعني تِلْكَ الْأَرْوَاحَ الْفَلَكِيَّةَ فِي تِلْكَ الطَّبَائِعِ وَالْأَخْلَاقِ تَامَّةٌ كَامِلَةٌ، وَهَذِهِ الْأَرْوَاحَ السُّفْلِيَّةَ الْمُتَوَلِّدَةَ مِنْهَا أَضْعَفُ مِنْهَا لِأَنَّ الْمَعْلُولَ فِي كُلِّ بَابٍ أَضْعَفُ مِنْ عِلَّتِهِ وَلِأَصْحَابِ الطَّلْسَمَاتِ وَالْعَزَائِمِ الرُّوحَانِيَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ كَلَامٌ كَثِيرٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: النَّفْسُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهَذَا الْجَسَدِ. لَا شَكَّ فِي أَنَّ النُّفُوسَ الْمُفَارِقَةَ عَنِ الْأَجْسَادِ/ لَمَّا كَانَتْ مُسَاوِيَةً لِهَذِهِ فِي الطَّبِيعَةِ وَالْمَاهِيَّةِ فَتِلْكَ النُّفُوسُ الْمُفَارِقَةُ تَمِيلُ إِلَى هَذِهِ النَّفْسِ بِسَبَبِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُشَاكَلَةِ وَالْمُوَافَقَةِ وَهِيَ أَيْضًا تَتَعَلَّقُ بِوَجْهٍ مَا بِهَذَا الْبَدَنِ وَتَصِيرُ مُعَاوَنَةً لِهَذِهِ النَّفْسِ عَلَى مُقْتَضَيَاتِ طَبِيعَتِهَا فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ الَّذِي جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ الْحَقَّةُ بِهِ لَيْسَ لِلْفَلَاسِفَةِ أَنْ يَمْتَنِعُوا عَنْهَا لِأَنَّ كُلَّهُمْ قَدْ أَقَرُّوا بِمَا يَقْرُبُ مِنْهُ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَانَ إِصْرَارُ الْجُهَّالِ مِنْهُمْ عَلَى التَّكْذِيبِ بَاطِلًا واللَّه أَعْلَمُ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا فههنا أبحاث:
الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [الزُّمَرِ: ٤٢] وَقَالَ: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [الْمُلْكِ: ٢] فَهَذَانَ النَّصَّانِ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ تَوَفِّيَ الْأَرْوَاحِ لَيْسَ إِلَّا مِنَ اللَّه تَعَالَى. ثُمَّ قَالَ: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ [السَّجْدَةِ: ١١] وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْوَفَاةَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا مِنْ مَلَكِ الْمَوْتِ. ثُمَّ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ:
تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا فَهَذِهِ النُّصُوصُ الثَّلَاثَةُ كَالْمُتَنَاقِضَةِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ التَّوَفِّيَ فِي الْحَقِيقَةِ يَحْصُلُ بقدرة اللَّه تعالى، وهو في عالم الظَّاهِرِ مُفَوَّضٌ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ،
Juz 13, halaman 15 ›
Pembahasan ayat ini masih 3 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.