Kitab tafsir: Tafsir ar-Razi
· Pengarang: الفخر الرازي
فِي كِتَابِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَالَ: «الْكَلْبُ خَبِيثٌ، وَخَبِيثٌ ثَمَنُهُ»
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ثَمَنَهُ خَبِيثٌ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَأَيْضًا الْخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ لِأَنَّهَا رِجْسٌ بدليل قوله: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إِلَى قَوْلِهِ: رِجْسٌ [الْمَائِدَةِ: ٩٠] وَالرِّجْسُ خَبِيثٌ بِدَلِيلِ إِطْبَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَيْهِ، وَالْخَبِيثُ حَرَامٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ.
الصِّفَةُ التَّاسِعَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ (آصَارَهُمْ) عَلَى الْجَمْعِ، وَالْبَاقُونَ إِصْرَهُمْ عَلَى الْوَاحِدِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: الْإِصْرُ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلَى الْكَثْرَةِ مَعَ إِفْرَادِ لَفْظِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إِضَافَتُهُ، وَهُوَ مُفْرَدٌ إِلَى الْكَثْرَةِ، كَمَا قَالَ: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ [الْبَقَرَةِ: ٢٠] وَمَنْ جَمَعَ، أَرَادَ ضُرُوبًا مِنَ الْعُهُودِ مُخْتَلِفَةً، وَالْمَصَادِرُ قَدْ تُجْمَعُ إِذَا اخْتَلَفَتْ ضُرُوبُهَا كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [الْأَحْزَابِ: ١٠] .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْإِصْرُ الثِّقَلُ الَّذِي يَأْصِرُ صَاحِبَهُ، أَيْ يَحْبِسُهُ مِنَ الْحَرَاكِ لِثِقَلِهِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ: أَنَّ شَرِيعَةَ مُوسَى ﵇ كَانَتْ شَدِيدَةً. وَقَوْلُهُ: وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ الْمُرَادُ مِنْهُ: الشَّدَائِدُ الَّتِي كَانَتْ فِي عِبَادَاتِهِمْ كَقَطْعِ أَثَرِ الْبَوْلِ، وَقَتْلِ النَّفْسِ فِي التَّوْبَةِ، وَقَطْعِ الأعضاء الخاطئة، وتتبع العروف مِنَ اللَّحْمِ وَجَعَلَهَا اللَّه أَغْلَالًا، لِأَنَّ التَّحْرِيمَ يَمْنَعُ مِنَ الْفِعْلِ، كَمَا أَنَّ الْغِلَّ يَمْنَعُ عَنِ الْفِعْلِ، وَقِيلَ: كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا قَامَتْ إِلَى الصَّلَاةِ لَبِسُوا الْمُسُوحَ، وَغَلُّوا أَيْدِيَهُمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ تَوَاضُعًا للَّه تَعَالَى، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْأَغْلَالُ غَيْرُ مُسْتَعَارَةٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الأصل في المضار أَنْ لَا تَكُونَ مَشْرُوعَةً، لِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ ضَرَرًا كَانَ إِصْرًا وَغِلًّا، وَظَاهِرُ هَذَا النَّصِّ يَقْتَضِي عَدَمَ الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَهَذَا نَظِيرٌ
لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» فِي الْإِسْلَامِ،
وَلِقَوْلِهِ ﵊: «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ»
وَهُوَ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي الشَّرِيعَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا وَصَفَ مُحَمَّدًا ﵊ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ التِّسْعِ. قَالَ بَعْدَهُ: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مِنَ الْيَهُودِ وَعَزَّرُوهُ يَعْنِي وَقَّرُوهُ. قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : أَصْلُ التَّعْزِيرِ الْمَنْعُ وَمِنْهُ التَّعْزِيرُ وَهُوَ الضَّرْبُ، دُونَ الْحَدِّ، لِأَنَّهُ مَنْعٌ مِنْ مُعَاوَدَةِ الْقَبِيحِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَنَصَرُوهُ أَيْ عَلَى عَدُوِّهِ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ وَهُوَ الْقُرْآنُ. وَقِيلَ الْهُدَى وَالْبَيَانُ وَالرِّسَالَةُ. وَقِيلَ الْحَقُّ الَّذِي بَيَانُهُ فِي الْقُلُوبِ كَبَيَانِ النُّورِ.
فَإِنْ قيل: كيف يمكن حمل النور هاهنا عَلَى الْقُرْآنِ؟ وَالْقُرْآنُ مَا أُنْزِلَ مَعَ مُحَمَّدٍ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَ مَعَ جِبْرِيلَ.
قُلْنَا: مَعْنَاهُ إِنَّهُ أُنْزِلَ مَعَ نُبُوَّتِهِ لِأَنَّ نُبُوَّتَهُ ظَهَرَتْ مَعَ ظُهُورِ الْقُرْآنِ.
ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفَاتِ قَالَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أَيْ هم الفائزون بالمطلوب في الدنيا والآخرة.
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٨]
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)
Juz 15, halaman 382 ›
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ حُصُولِ الرَّحْمَةِ لِأُولَئِكَ الْمُتَّقِينَ، كَوْنَهُمْ مُتَّبِعِينَ لِلرَّسُولِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ، حَقَّقَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ رِسَالَتَهُ إلى الخلق بالكلية. فقال: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً وَفِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا ﵊ مَبْعُوثٌ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ. وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُمُ الْعِيسَوِيَّةُ وَهُمْ أَتْبَاعُ عِيسَى الْأَصْفَهَانِيِّ: إِنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ صَادِقٌ مَبْعُوثٌ إِلَى الْعَرَبِ. وَغَيْرُ مَبْعُوثٍ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَدَلِيلُنَا عَلَى إِبْطَالِ قَوْلِهِمْ هَذِهِ الآية. لأن قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ خِطَابٌ يَتَنَاوَلُ كُلَّ النَّاسِ.
ثُمَّ قَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً وَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ مَبْعُوثًا إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، وَأَيْضًا فَمَا يُعْلَمُ بِالتَّوَاتُرِ مِنْ دِينِهِ، أَنَّهُ كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى كُلِّ الْعَالَمِينَ. فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ كَانَ رَسُولًا حَقًّا أَوْ مَا كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ رَسُولًا حَقًّا، امْتَنَعَ الْكَذِبُ عَلَيْهِ. وَوَجَبَ الْجَزْمُ بِكَوْنِهِ صَادِقًا فِي كُلِّ مَا يَدَّعِيهِ، فَلَمَّا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ وَبِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ كَانَ يَدَّعِي كَوْنَهُ مَبْعُوثًا إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ وَجَبَ كَوْنُهُ صَادِقًا فِي هَذَا الْقَوْلِ، وَذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى الْعَرَبِ فَقَطْ، لَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إِنَّهُ مَا كَانَ رَسُولًا حَقًّا، فَهَذَا يَقْتَضِي الْقَدْحَ فِي كَوْنِهِ رَسُولًا إِلَى الْعَرَبِ وَإِلَى غَيْرِهِمْ، فَثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ رَسُولٌ إِلَى بَعْضِ الْخَلْقِ دُونَ بَعْضٍ كَلَامٌ بَاطِلٌ مُتَنَاقِضٌ.
إِذَا ثبت هذا فنقول: قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ عَامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، أَمَّا الْأَوَّلُونَ فَقَالُوا: إِنَّهُ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ رَسُولٌ إِلَى النَّاسِ إِذَا كَانُوا مِنْ جُمْلَةِ الْمُكَلَّفِينَ فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُونُوا مِنْ جُمْلَةِ الْمُكَلَّفِينَ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا إِلَيْهِمْ، وَذَلِكَ
لِأَنَّهُ ﵊ قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ»
والثاني: أَنَّهُ رَسُولُ اللَّه إِلَى كُلِّ مَنْ وَصَلَ إِلَيْهِ خَبَرُ وُجُودِهِ وَخَبَرُ مُعْجِزَاتِهِ وَشَرَائِعِهِ، حَتَّى يُمْكِنَهُ عِنْدَ ذَلِكَ مُتَابَعَتُهُ، أَمَّا لَوْ قَدَّرْنَا حُصُولَ قَوْمٍ فِي طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِ الْعَالَمِ لم يبلغهم خبر وجوده ولا خبر مُعْجِزَاتِهِ، فَهُمْ لَا يَكُونُونَ مُكَلَّفِينَ بِالْإِقْرَارِ بِنُبُوَّتِهِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ أَنْكَرَ الْقَوْلَ بِدُخُولِ التَّخْصِيصِ فِي الْآيَةِ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ:
أَمَّا الْأَوَّلُ: فتقريره أن قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ خِطَابٌ وَهَذَا الْخِطَابُ لَا يَتَنَاوَلُ إِلَّا الْمُكَلَّفِينَ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالنَّاسُ الَّذِينَ دَخَلُوا تحت قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ لَيْسُوا إِلَّا الْمُكَلَّفِينَ مِنَ النَّاسِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَمْ يَلْزَمْ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ عَامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّهُ يَبْعُدُ جِدًّا أَنْ يُقَالَ: حَصَلَ فِي طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِ الْأَرْضِ قَوْمٌ لَمْ يَبْلُغْهُمْ خَبَرُ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ ﵊، وَخَبَرُ مُعْجِزَاتِهِ وَشَرَائِعِهِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَالْمُسْتَبْعَدِ لَمْ يَكُنْ بِنَا حَاجَةٌ إِلَى الْتِزَامِ هَذَا التَّخْصِيصِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا ﵊ مَبْعُوثٌ إِلَى كُلِّ الْخَلْقِ فَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ مَا كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى كُلِّ الْخَلْقِ، بَلْ يَجِبُ الرُّجُوعُ فِي أَنَّهُ هَلْ كَانَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَنْ كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى كُلِّ الْخَلْقِ أَمْ لَا؟ إِلَى سَائِرِ الدَّلَائِلِ. فَنَقُولُ: تَمَسَّكَ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ
Juz 15, halaman 383 ›
أَحَدًا غَيْرَهُ مَا كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى كُلِّ الْخَلْقِ
لِقَوْلِهِ ﵊: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي، أُرْسِلْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَنُصِرْتُ عَلَى عَدُوِّي بِالرُّعْبِ يُرْعَبُ مِنِّي مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَأُطْعِمْتُ الْغَنِيمَةَ دُونَ مَنْ قَبْلِي. وَقِيلَ لِي سَلْ تُعْطَهُ فَاخْتَبَأْتُهَا شَفَاعَةً لِأُمَّتِي» .
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْخَبَرُ لَا يَتَنَاوَلُ دَلَالَتَهُ عَلَى إِثْبَاتِ هَذَا الْمَطْلُوبِ، لِأَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَجْمُوعَ هَذِهِ الْخَمْسَةِ مِنْ خَوَاصِّ رَسُولُ اللَّه ﷺ، وَلَمْ يَحْصُلْ لِأَحَدٍ سِوَاهُ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ كَوْنِ هَذَا الْمَجْمُوعِ مِنْ خَوَاصِّهِ كَوْنُ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ هَذَا الْمَجْمُوعِ مِنْ خَوَاصِّهِ، وَأَيْضًا قِيلَ إِنَّ آدَمَ ﵇ كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى جَمِيعِ أَوْلَادِهِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَقَدْ كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، وَإِنَّ نُوحًا ﵇ لَمَّا خَرَجَ مِنَ السَّفِينَةِ، كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ، مَعَ أَنَّ جَمِيعَ/ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مَا كَانَ إِلَّا ذَلِكَ الْقَوْمُ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [إلى قوله وَاتَّبِعُوهُ] فَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ رَسُولَهُ بِأَنْ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ إِنِّي رَسُولُ اللَّه إِلَيْكُمْ أَرْدَفَهُ بِذِكْرِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الدَّعْوَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى لَا تَتِمُّ وَلَا تَظْهَرُ فَائِدَتُهَا إِلَّا بِتَقْرِيرِ أُصُولٍ أَرْبَعَةٍ.
الْأَصْلُ الْأَوَّلُ: إِثْبَاتُ أَنَّ لِلْعَالَمِ إِلَهًا حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا. وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وذلك لأن أجسام السموات وَالْأَرْضِ، تَدُلُّ عَلَى افْتِقَارِهَا إِلَى الصَّانِعِ الْحَيِّ الْعَالِمِ الْقَادِرِ، مِنْ جِهَاتٍ كَثِيرَةٍ مَذْكُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَشَرْحُهَا وَتَقْرِيرُهَا مَذْكُورٌ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ، وَإِنَّمَا افْتَقَرْنَا فِي حُسْنِ التَّكْلِيفِ وَبَعْثَةِ الرُّسُلِ إِلَى إِثْبَاتِ هَذَا الْأَصْلِ، لِأَنَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَحْصُلَ لِلْعَالَمِ مُؤَثِّرٌ يُؤَثِّرُ فِي وُجُودِهِ، أَوْ إِنْ حَصَلَ لَهُ مُؤَثِّرٌ، لَكِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمُؤَثِّرُ مُوجِبًا بِالذَّاتِ لَا فَاعِلًا بِالِاخْتِيَارِ لَمْ يَكُنِ الْقَوْلُ بِبَعْثَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ ﵈ مُمْكِنًا.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي: إِثْبَاتُ أَنَّ إِلَهَ الْعَالَمِ وَاحِدٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الشَّرِيكِ وَالضِّدِّ وَالنِّدِّ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَإِنَّمَا افْتَقَرْنَا فِي حُسْنِ التَّكْلِيفِ وَجَوَازِ بَعْثَةِ الرُّسُلِ إِلَى تَقْرِيرِ هَذَا الْأَصْلِ، لِأَنَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالَمِ إِلَهَانِ، وَأَرْسَلَ أَحَدُ الْإِلَهَيْنِ نَبِيًّا إِلَى الْخَلْقِ فَلَعَلَّ هَذَا الْإِنْسَانَ الَّذِي يَدْعُوهُ الرَّسُولُ إِلَى عِبَادَةِ هَذَا الْإِلَهِ مَا كَانَ مَخْلُوقًا لَهُ، بَلْ كَانَ مَخْلُوقًا لِلْإِلَهِ الثَّانِي، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى هَذَا الْإِنْسَانِ عِبَادَةُ هَذَا الْإِلَهِ وَطَاعَتُهُ، فكان بَعْثَةُ الرَّسُولِ إِلَيْهِ، وَإِيجَابُ الطَّاعَةِ عَلَيْهِ ظُلْمًا وَبَاطِلًا. أَمَّا إِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْإِلَهَ وَاحِدٌ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ جَمِيعُ الْخَلْقِ عَبِيدًا لَهُ، وَيَكُونُ تَكْلِيفُهُ فِي الْكُلِّ نَافِذًا وَانْقِيَادُ الْكُلِّ لِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ لَازِمًا، فَثَبَتَ أَنَّ مَا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُ الْإِلَهِ تَعَالَى وَاحِدًا لَمْ يَكُنْ إِرْسَالُ الرُّسُلِ وَإِنْزَالُ الْكُتُبِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى التَّكَالِيفِ جَائِزًا.
وَالْأَصْلُ الثَّالِثُ: إِثْبَاتُ أَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ، لِأَنَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَثْبُتَ ذَلِكَ، كَانَ الِاشْتِغَالُ بِالطَّاعَةِ وَالِاحْتِرَازُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ عَبَثًا وَلَغْوًا، وَإِلَى تَقْدِيرِ هَذَا الْأَصْلِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: يُحيِي وَيُمِيتُ لِأَنَّهُ لَمَّا أَحْيَا أَوَّلًا، ثَبَتَ كَوْنُهُ قَادِرًا عَلَى الْإِحْيَاءِ ثَانِيًا، فَيَكُونُ قَادِرًا عَلَى الْإِعَادَةِ وَالْحَشْرِ وَالنَّشْرِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الْإِحْيَاءُ الْأَوَّلُ إِنْعَامًا عَظِيمًا، فَلَا يَبْعُدُ مِنْهُ تَعَالَى أَنْ يُطَالِبَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، لِيَكُونَ قِيَامُهُ بِتِلْكَ الطَّاعَةِ قَائِمًا مَقَامَ الشُّكْرِ عَنِ الْإِحْيَاءِ الْأَوَّلِ، وَأَيْضًا لَمَّا دَلَّ الْإِحْيَاءُ الْأَوَّلُ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِحْيَاءِ الثَّانِي، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَادِرًا عَلَى إِيصَالِ الْجَزَاءِ إِلَيْهِ.
Juz 15, halaman 384 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.