كم كافر أمواله جمّة... تزداد أضعافا على كفره
ومؤمن ليس له درهم... يزداد إيمانا على فقره
وروي: أن سالم بن عبد الله بن عمر-﵃-كان كثيرا ما يذكر الدهر، فزجره أبوه، وقال له: إياك يا بني وذكر الدهر: [الطويل]
فما الدّهر بالجاني لشيء لحينه... ولا جالب البلوى فلا تشتم الدّهرا
ولكن متى ما يبعث الله باعثا... على معشر يجعل مياسيرهم عسرا
﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢)﴾
الشرح: ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ:﴾ يعني ابن آدم بلا خلاف. وقال الخازن-رحمه الله تعالى-:
فالإنسان في الموضعين واحد، فعلى هذا يكون معنى قوله: ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ طائفة من الدهر غير مقدرة ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ يعني: أنهم كانوا نطفا في الأصلاب، ثم علقا، ومضغا في الأرحام، لم يذكروا بشيء. ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ﴾ يعني: ولد آدم. انتهى. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ من ماء ينطف، أي: يقطر، وهو المني، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة، كقول عبد الله بن رواحة ﵁-يعاتب نفسه، لما تهيبت وتخوفت القتال والنزال في غزوة مؤتة: [الرجز]
مالي أراك تكرهين الجنّة؟ ... هل أنت إلاّ نطفة في شنّه؟
الشنّة: القربة، وجمع نطفة: نطف، ونطاف. ﴿أَمْشاجٍ:﴾ أخلاط، واحدها: مشج، ومشيج، مثل: خدن، وخدين. قال رؤبة: [الرجز]
يطرحن كلّ معجّل نشّاج... لم يكس جلدا في دم أمشاج
ويقال: مشجت هذا بهذا، أي: خلطته، فهو ممشوج، ومشيج، مثل: مخلوط، وخليط، وقال المبرد: واحد الأمشاج: مشيج، يقال: مشج، يمشج: إذا اختلط، وهو هنا اختلاط النطفة بالدم. قال الشماخ: [الوافر]
طوت أحشاء مرتجة لوقت... على مشج سلالته مهين
وقال ابن عباس-﵄-وغيره: يعني: ماء الرجل، وماء المرأة يختلطان في الرحم، فيكون منهما الولد، فماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا صاحبه؛ كان الشبه له، وما كان من عصب، وعظم؛ فمن ماء الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة.
وقيل: الأمشاج: اختلاف ألوان النطفة، فنطفة الرجل بيضاء، ونطفة المرأة صفراء، وكل لونين اختلطا فهما أمشاج. وقيل: الأمشاج: أطوار الخلق، نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظما، ثم
Juz 10, halaman 337 ›
يكسوه لحما، ثم ينشئه خلقا آخر، انظر سورة (المؤمنون) الآية رقم [١٢] وما بعدها. وقيل: إن الله تعالى جعل في النطفة أخلاطا من الطبائع، التي تكون في الإنسان، من الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، فعلى هذا يكون التقدير: من نطفة ذات أمشاج، وخذ ما يلي:
فعن أبي أيوب-﵁-قال: جاء حبر من اليهود إلى النبي ﷺ، فقال: أخبرني عن ماء الرجل، وماء المرأة، فقال: «ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فإذا علا ماء المرأة آنثت، وإذا علا ماء الرّجل أذكرت». فقال الحبر: أشهد أن لا إله إلا الله وأنّك رسول الله.
﴿نَبْتَلِيهِ:﴾ نختبره بالأوامر، والنواهي، والخير، والشر من صحة، ومرض، من فقر وغنى... إلخ. ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً:﴾ قال الفراء: فيه تقديم، وتأخير، التقدير: فجعلناه سميعا بصيرا؛ لنبتليه؛ لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة. وقال الزمخشري: هو من التعسف.
﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ أي: عظيم السمع، والبصر، والبصيرة.
فائدة:
ورد في بعض الكتب: أن الله ﷾ يقول: يابن آدم! جعلت لك قرارا في بطن أمّك، وغشيت وجهك بغشاء لئلا تفزع من الرحم، وجعلت لك متكأ عن يمينك، ومتكأ عن شمالك، فأما الذي عن يمينك؛ فالطحال، وأمّا الذي عن شمالك؛ فالكبد، وعلمتك القيام، والقعود في بطن أمّك، فهل يقدر على ذلك أحد غيري، فلما أن تمت مدة حملك؛ أوحيت إلى الملك الموكل بالأرحام أن يخرجك، فأخرجك على ريشة من جناحيه، لا لك سنّ تقطع، ولا يد تبطش، ولا قدم تسعى بها، وأنبعت لك عرقين في صدر أمّك، يجريان لبنا خالصا، حارا في الشتاء، باردا في الصيف، وألقيت محبتك في قلب أبويك، فلا يشبعان؛ حتى تشبع، ولا يرقدان؛ حتى ترقد، فلمّا أن قوي ظهرك، واشتدّ أزرك؛ بارزتني بالمعاصي، واعتمدت على المخلوقين، ولم تعتمد عليّ، وتسترت ممّن يراك، وبارزتني بالمعاصي في خلواتك، ولم تستح مني، ومع هذا: إن دعوتني؛ أجبتك، وإن سألتني؛ أعطيتك، وإن تبت، وارتجعت إليّ؛ قبلتك.
الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿خَلَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْإِنْسانَ﴾ أي: مخلوقا من نطفة. والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَمْشاجٍ:﴾ صفة ﴿نُطْفَةٍ﴾ ووقع الجمع صفة لمفرد؛ لأنه في معنى الجمع كما رأيت في الشرح، وأجيز اعتباره بدلا من ﴿نُطْفَةٍ﴾. ﴿نَبْتَلِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (نا) أي: خلقناه مبتلين له؛ بمعنى: مريدين ابتلاءه، فهي حال مقدرة، كقولك: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، تريد قاصدا به لصيد غدا، ويجوز أن يراد: ناقلين له من حال إلى حال.
Juz 10, halaman 338 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.