[سورة التوبة (٩) : الآيات ٥٦ الى ٥٩]
وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ (٥٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [التوبة: ٩/ ٥٦- ٥٩] .
روى البخاري والنسائي في بيان سبب نزول آية اللمز في الصدقات عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «بينما رسول الله ﷺ يقسم قسما، إذا جاءه ذو الخويصرة التميمي- وهو حرقوص بن زهير أصل الخوارج- فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟ فقال عمر بن الخطاب: ائذن لي أن أضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ: دعه، فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرّميّة» ،
فنزلت فيهم الآية: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ.. الآية.
هذه صور من أخلاق المنافقين تبين حقيقتهم، وتنبئ عن قلقهم ومخاوفهم المسيطرة على نفوسهم الضعيفة وتذبذبهم، فهم يحلفون بالله الأيمان الكاذبة بأنهم لمنكم، أي من جملة المسلمين، وهم في الواقع ليسوا منكم، فهم على غير دينكم، بل هم أهل شك وريبة ونفاق، ولكنهم قوم جبناء يخافونكم أيها المؤمنون فيحلفون، مظهرين الإيمان، مبطنين الكفر، ومسرّين النفاق، كما جاء في آية أخرى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) [البقرة:
٢/ ١٤] .
Juz 1, halaman 874 ›
ومن مظاهر خوفهم: أنهم يتمنون الهرب والفرار من الأرض الإسلامية والعيش بعيدين عن المسلمين، فلو وجدوا ملجأ، أي مكانا يتحصنون فيه، أو مغارة، أي كهفا في الجبال، أو سربا في الأرض، أو مسلكا للدخول فيه بمشقة، لولوا إليه، أي رجعوا إليه، وهم يجمحون، أي يسرعون في ذهابهم عنكم على نحو لا يقاوم، لأنهم إنما يعيشون معكم كرها، لا محبة وودا، وضرورة لا اختيارا، فهم في هم وقلق، وحزن وغم، لتقدم الإسلام ورفعته، وانحدار الشرك وهزيمة المشركين.
بل وأوقح من هذا، فمن المنافقين من يعيب عليك ويطعن بك أيها النبي الرسول في قسمة الصدقات صدقات الأغنياء وزكواتهم أو الغنائم الحربية، فيطالب ذو الخويصرة رأس الخوارج رسول الله بالعدل قائلا: اعدل يا رسول الله، فقال صلوات الله وسلامه عليه: ويلك إن لم أعدل فمن يعدل؟! ثم يقول رسول الله:
احذروا هذا وأصحابه، فإنهم منافقون.
ثم وصفهم الله تعالى العالم بالخفيات والأسرار بأن رضا هؤلاء المنافقين وسخطهم لمصلحة أنفسهم، لا للدين والحق والعدل وصلاح أهله لأن رسول الله ﷺ تألف واستعطف قلوب أهل مكة بتوفير الغنائم عليهم، فضجر المنافقون منه، فقال تعالى:
فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ أي إن أعطوا من الزكاة أو من الغنائم، ولو بغير حق رضوا، وإن لم يعطوا منها أعلنوا التبرم والسخط، حتى وإن لم يستحقوا العطاء، فهم إنما يغضبون لأنفسهم ومنافعهم، لا للمصلحة العامة.
ولو أنهم رضوا ما أعطاهم الله والرسول من الغنائم وطابت به أنفسهم، وقالوا:
كفانا فضل الله وعطاؤه وصنعه، وكفانا ما أخذناه، وسيرزقنا الله غنيمة أخرى، ويعطينا رسول الله أكثر مما أعطانا اليوم، إنا إلى الله في طلب فضله ورضاه لراغبون، لا نرغب إلى غيره أبدا، لو أنهم رضوا بذلك وقالوا هذا القول الجميل لكان خيرا لهم وأولى وأكرم.
Juz 1, halaman 875 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.