وكنّا إذا ما الضيف حلّ بأرضنا... سفكنا دماء البدن في تربة الحال
هذا؛ وفي المختار: وترب الشيء: أصابه التراب، وبابه: طرب، ومنه: ترب الرجل؛ أي:
افتقر، كأنه لصق بالتراب. وتربت يداه: دعاء عليه؛ أي: لا أصاب خيرا. وأترب الرجل:
استغنى، كأنه صار له من المال بقدر التراب، والمتربة المسكنة والفاقة، ومسكين ذو متربة؛ أي: لاصق بالتراب، والترب بالكسر اللدة، وجمعه أتراب، والتريبة واحدة الترائب، وهي عظام الصدر. انتهى. انظر سورة (الطارق) أقول: الترب بكسر التاء وسكون الراء المساوي لك في العمر. قال تعالى في جمعه على أتراب: ﴿عُرُباً أَتْراباً﴾ سورة (الواقعة) رقم [٣٧] وقال الشاعر، -وهو الشاهد رقم [١٣٩] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط]
لولا توقع معترّ فأرضيه... ما كنت أوثر أترابا على ترب
خاتمة:
قال الخازن-رحمه الله تعالى-: وقيل في معنى الآية ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ من رق الذنوب بالتوبة؛ أي: النصوح، وبما يتكلفه العبد من العبادات، والطاعات؛ التي يصير بها إلى رضوان الله، والجنة، فهي الحرية الكبرى، ويتخلص بها من النار. انتهى. بتصرف. هذا؛ وذكرت لك أن اقتحام العقبة يحتاج إلى مجاهدة النفس، والهوى، والشيطان، وخذ قول القائل: [الكامل]
إني بليت بأربع يرمينني... بالنّبل قد نصبوا عليّ شراكا
إبليس والدنيا ونفسي والهوى... من أين أرجو بينهنّ فكاكا؟
يا ربّ ساعدني بعفو إنني... أصبحت لا أرجو لهنّ سواكا
الإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿إِطْعامٌ:﴾ معطوف على ﴿فَكُّ﴾. وهو مصدر مثله، ففاعله محذوف، التقدير: أو إطعامك. ﴿فِي يَوْمٍ:﴾ متعلقان بالمصدر ﴿إِطْعامٌ﴾. هذا؛ ويستشهد به على إعمال المصدر مجردا من أل والإضافة. ﴿ذِي:﴾ صفة ﴿يَوْمٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذِي:﴾ مضاف، و ﴿مَسْغَبَةٍ:﴾ مضاف إليه.
﴿يَتِيماً:﴾ مفعول به ل: ﴿إِطْعامٌ﴾. ﴿ذا:﴾ صفة ﴿يَتِيماً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، وهو مضاف، و ﴿مَقْرَبَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ:﴾ معطوف على ما قبله.
﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ المعنى: أن مقتحم العقبة إن كان مؤمنا تنفعه الأعمال والقرب المذكورة: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ..﴾. إلخ، وإن لم يكن مؤمنا لا تنفعه هذه القرب، وإن اقتحمها،
Juz 10, halaman 603 ›
وذلك؛ لأن الكافر قد يطعم اليتيم، والمسكين، ويفك، أو يعين في فك الرقبة. وهذا؛ واقع في هذه الدنيا، ولكن لا ينفعه ذلك بدون إيمان بالله، وبالإسلام، وبمحمد ﷺ؛ لأن شرط قبول العمل الصالح أن يكون مقرونا بالإيمان، والعكس صحيح، وهو أن الإيمان قد لا يجدي بدون عمل صالح، وكلاهما يسمى: احتراسا. وقد نوهت به كثيرا فيما مضى.
هذا؛ وقد قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: فإن من شرط قبول الطاعات الإيمان بالله، فالإيمان بالله بعد الإنفاق لا ينفع، بل يجب أن تكون الطاعة مصحوبة بالإيمان. قال الله تعالى في المنافقين: ﴿وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ الآية رقم [٥٤] من سورة (التوبة). وقالت عائشة-﵂: يا رسول الله! إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم الطعام، ويفك العاني، ويعتق الرقاب، ويحمل على إبله لله، فهل ينفعه ذلك شيئا؟ قال: «لا! إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين». انتهى. هذا؛ ومثل الآية قوله تعالى في سورة (طه) رقم [٨٢]: ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى﴾. وقيل: أتى بهذه القرب لوجه الله، ثم آمن بمحمد ﷺ. وقد قال حكيم بن حزام-﵁-بعد أن أسلم: يا رسول الله! إنا كنا نتحنث بأعمال الجاهلية، فهل لنا منها شيء؟ فقال ﷺ: «أسلمت على ما أسلفت من الخير». وقيل: إن ﴿ثُمَّ﴾ بمعنى الواو؛ أي: وكان هذا المعتق الرقبة، والمطعم في المسغبة من الذين آمنوا.
﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ أي: وصى بعضهم بعضا بالصبر على طاعة الله، وعن معاصيه، وعلى ما أصابهم من البلايا، والمصائب، انظر شرح (الصبر) في الآية رقم [١٠] من سورة (المزمل)، ﴿وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ أي: بالرحمة على الخلق، فإنهم إذا فعلوا ذلك؛ رحموا اليتيم، والمسكين.
وخذ نبذة من أحاديث حبيب الحق، وسيد الخلق، الناطق بالصدق: فعن جرير بن عبد الله-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله». رواه الشيخان وغيرهما.
وعن عبد الله بن عمرو-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «الرّاحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السّماء». رواه أبو داود، والترمذي، وعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت الصادق المصدوق صاحب هذه الحجرة أبا القاسم ﷺ يقول: «لا تنزع الرحمة إلا من شقيّ». رواه أبو داود، والترمذي.
وعن ابن عباس-﵄-أن رجلا أضجع شاة، وهو يحدّ شفرته، فقال له النبي ﷺ: «أتريد أن تميتها موتتين؟ هلاّ أحددت شفرتك قبل أن تضجعها». رواه الطبراني، والحاكم. وعن ابن سيرين: أن عمر-﵁-رأى رجلا يسحب شاة برجلها؛ ليذبحها، فقال له: ويلك! قدها إلى الموت قودا جميلا. ولا تنس الأحاديث؛ التي تحث على الرفق والرحمة بالعبيد والمستضعفين. ﴿أُولئِكَ﴾ يعني: أصحاب هذه الخصال الحميدة. ﴿أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ أي: الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم. وانظر ما ذكرته في سورة (الواقعة) رقم [٨] ففيها الكفاية.
Juz 10, halaman 604 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.