بينما آية المائدة (١٠٤): جاءت في سياق الّذين اتخذوا البحيرة، والوصيلة، والسّائبة، والحام، فهؤلاء شرعوا من الأنعام من دون علم، وقلَّدوا آباءَهم، ولذلك وصفهم بأنّهم: ﴿لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾، فكلا الفريقين ضلَّ، ولكن ضلال الفريق الأوّل أسوأ من الفريق الثّاني.
ولذلك وصف الفريق الأوّل بـ: ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ «نفى عنهم العقل».
والفريق الثّاني: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ «نفى عنهم العلم».
ونفي العقل أسوأ وأشد من نفي العلم، كما سبق، والاعتماد على العقل، أو العلم وحدهما لا يكفي، فلا بد من هداية الرّب، فكم من عالم مُلحد ضال، وكم من حكيم يدعي الحكمة والعقل، وهو ضال أيضاً.
سورة البقرة [٢: ١٧١]
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾:
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ﴾: أي: حالهم يشبه الّذي ينعق، وهو الرّاعي الّذي يصيح بالماشية الّتي يرعاها ليزجرها، أو يوجهها إلى طريقها.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: ارجع إلى الآية (٦) من نفس السورة لمزيد من البيان.
﴿بِمَا لَا﴾: الباء: للإلصاق، ما: لغير العاقل «الماشية»، لا: النّافية.
﴿لَا يَسْمَعُ﴾: أي: لا تفهم من الرّاعي.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿دُعَاءً وَنِدَاءً﴾: وهناك فرق بين الدعاء والنداء:
فالدعاء: يكون بخفض الصوت، ويكون عادة للقريب.
أما النداء: فيكون برفع الصوت، ويكون عادة للبعيد.
Juz 1, halaman 317 ›
﴿دُعَاءً وَنِدَاءً﴾: بصيغة النكرة؛ أي: مهما كان صيغته وسياقه لا يهم؛ لأنه مجرد دعاء ونداء غير مفهوم للماشية.
فالماشية تسمع الدعاء، والنّداء، ولكن لا تفهم ما يقوله الرّاعي، فهو يمشي أمامها، أو خلفها، وحين تخالف أمره يصيح بها، ومع مرور الزّمن تدرك الماشية أنّ رفع الصّوت لزجرها، ومنعها، ولذلك تغير مسيرها هنا، أو هناك، ومع الزّمن والتّكرار «بالتّقليد» تعرف أمكنتها مكان المبيت والرّعي والشّرب.
فالرّسول ﷺ هو الرّاعي «أي: الدّاعي»، يدعو الّذين كفروا إلى الإيمان «وهم كالماشية والغنم»، فهم لا يسمعون ما أُنزل إليهم من ربهم إلَّا مجرد سماع لا طاعة معه «كما أنّ الماشية تسمع الرّاعي ولا تعقل ما يقوله، كأنّ في آذانهم صمم أو وقر»، وهم بكم لا ينطقون بالشّهادة، ويصدقون الرّسول كما أنّ الماشية تنطق بكلمات لا يعقلها الراعي، أو من يسمعها.
وهم عميٌ لا يبصرون آيات الله الكونية، ويؤمنون بالله «كما أنّ الماشية تبصر وترى طريقها، ولكن لا تعلم أنّها تساق أحياناً إلى أماكن ذبحها»، وهكذا حال الّذين كفروا صمٌّ بكمٌ عميٌ معاً؛ أي: كلّ من هؤلاء الكفرة صمٌّ بكمٌ عميٌ في نفس الوقت.
﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: الفاء: للتوكيد، هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد أيضاً، ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾: لماذا خلقوا وما هو مصيرهم الأبدي.
وفي سورة الأنعام، الآية (٣٩): قال سبحانه: ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾.
وفي سورة الإسراء، الآية (٦٧): ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾.
ففي هاتين الآيتين إضافة الواو تجعل هؤلاء فئات مختلفة فئة صم وفئة
Juz 1, halaman 318 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.