لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴿١٧٧﴾
Kitab tafsir: Tafsir al-Qurthubi
· Pengarang: القرطبي
قَوْلُهُ تَعَالَى:" ذلِكَ"" ذَلِكَ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْحُكْمِ، كَأَنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ الْحُكْمُ بِالنَّارِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: تَقْدِيرُهُ الْأَمْرُ ذَلِكَ، أَوْ ذَلِكَ الْأَمْرُ، أَوْ ذَلِكَ الْعَذَابُ لَهُمْ. قَالَ الْأَخْفَشُ: وَخَبَرٌ" ذَلِكَ" مُضْمَرٌ، مَعْنَاهُ ذَلِكَ مَعْلُومٌ لَهُمْ. وَقِيلَ: مَحَلُّهُ نَصْبٌ، مَعْنَاهُ فَعَلْنَا ذَلِكَ بِهِمْ." بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ" يَعْنِي الْقُرْآنَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ" بِالْحَقِّ" أَيْ بِالصِّدْقِ. وَقِيلَ بِالْحُجَّةِ." وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ" يَعْنِي التَّوْرَاةَ، فَادَّعَى النَّصَارَى أَنَّ فِيهَا صِفَةَ عِيسَى، وَأَنْكَرَ الْيَهُودُ صِفَتَهُ. وَقِيلَ: خَالَفُوا آبَاءَهُمْ وَسَلَفَهُمْ فِي التَّمَسُّكِ بِهَا. وَقِيلَ: خَالَفُوا مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَاخْتَلَفُوا فِيهَا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ الْقُرْآنَ، وَالَّذِينَ اخْتَلَفُوا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، يَقُولُ بَعْضُهُمْ: هُوَ سِحْرٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، وَبَعْضُهُمْ: مُفْتَرًى، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي معنى الشقاق، والحمد لله «١».
[سورة البقرة (٢): آية ١٧٧]
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)
فِيهِ ثَمَانِ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى:" لَيْسَ الْبِرَّ" اخْتُلِفَ مِنَ الْمُرَادِ بِهَذَا الْخِطَابِ، فَقَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِرِّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ قَبْلَ الْفَرَائِضِ إِذَا شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ الربيع وقتادة أيضا: الخطاب لليهود
Juz 2, halaman 237 ›
وَالنَّصَارَى لِأَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي التَّوَجُّهِ وَالتَّوَلِّي، فَالْيَهُودُ إِلَى الْمَغْرِبِ قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَالنَّصَارَى إِلَى الْمَشْرِقِ مَطْلِعَ الشَّمْسِ، وَتَكَلَّمُوا فِي تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ وَفَضَّلَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ تَوْلِيَتَهَا، فَقِيلَ لَهُمْ: لَيْسَ الْبِرَّ مَا أَنْتُمْ فِيهِ، وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ. الثَّانِيَةُ- قَرَأَ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ" الْبِرَّ" بِالنَّصْبِ، لِأَنَّ لَيْسَ مِنْ أَخَوَاتِ كَانَ، يَقَعُ بَعْدَهَا الْمَعْرِفَتَانِ فَتَجْعَلُ أَيَّهُمَا شِئْتَ الِاسْمَ أَوِ الْخَبَرَ، فَلَمَّا وَقَعَ بَعْدُ" لَيْسَ":" الْبِرُّ" نَصَبَهُ، وَجَعَلَ" أَنْ تُوَلُّوا" الِاسْمَ، وَكَانَ الْمَصْدَرُ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ اسْمًا لِأَنَّهُ لَا يَتَنَكَّرُ، وَالْبِرُّ قَدْ يَتَنَكَّرُ وَالْفِعْلُ أَقْوَى فِي التَّعْرِيفِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ" الْبِرُّ" بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ لَيْسَ، وَخَبَرُهُ" أَنْ تُوَلُّوا"، تَقْدِيرُهُ: لَيْسَ الْبِرُّ تَوْلِيَتَكُمْ وُجُوهَكُمْ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَيْسَ تَوْلِيَتُكُمْ وُجُوهَكُمُ الْبِرَّ، كَقَوْلِهِ:" مَا كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا «١» " [الجاثية: ٢٥]،" ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا «٢» " [الروم: ١٠] " فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ «٣» " [الحشر: ١٧] وَمَا كَانَ مِثْلُهُ. وَيُقَوِّي قِرَاءَةَ الرَّفْعِ أَنَّ الثَّانِي مَعَهُ الْبَاءُ إِجْمَاعًا فِي قَوْلِهِ:" وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها" [البقرة: ١٨٩] وَلَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا الرَّفْعُ، فَحَمْلُ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي أَوْلَى مِنْ مُخَالَفَتِهِ لَهُ. وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ بِالْبَاءِ" لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تُوَلُّوا" وَكَذَلِكَ فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ، وَالْقِرَاءَتَانِ حَسَنَتَانِ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ" الْبِرُّ هَا هُنَا اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ، كقوله تعالى:" وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «٤» " [يوسف: ٨٢]،" وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ «٥» " [البقرة: ٩٣] قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَقُطْرُبٌ وَالزَّجَّاجُ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ
أَيْ ذَاتُ إِقْبَالٍ وَذَاتُ إِدْبَارٍ. وَقَالَ النَّابِغَةُ:
وَكَيْفَ تُوَاصِلُ مَنْ أَصْبَحَتْ ... خِلَالَتُهُ كَأَبِي مَرْحَبِ «٦»
Juz 2, halaman 238 ›
أَيْ كَخِلَالَةِ أَبِي مَرْحَبٍ، فَحَذَفَ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَلَكِنَّ ذَا الْبِرِّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:" هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ «١» " [آل عمران: ١٦٣] أَيْ ذَوُو دَرَجَاتٍ. وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَفُرِضَتِ الْفَرَائِضُ وَصُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ وَحُدَّتِ الْحُدُودُ أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ: لَيْسَ الْبِرَّ كُلَّهُ أَنْ تُصَلُّوا وَلَا تَعْمَلُوا غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْبِرَّ- أَيْ ذَا الْبِرِّ- مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، إِلَى آخِرِهَا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَعَطَاءٌ وَسُفْيَانُ وَالزَّجَّاجُ أَيْضًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ" الْبِرَّ" بِمَعْنَى الْبَارِّ وَالْبَرِّ، وَالْفَاعِلُ قَدْ يُسَمَّى بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ، كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ، وَصَوْمٌ وَفِطْرٌ. وَفِي التَّنْزِيلِ:" إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً «٢» " [الملك: ٣٠] أَيْ غَائِرًا، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدَةَ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: لَوْ كُنْتُ مِمَّنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ لَقَرَأْتُ" وَلكِنَّ الْبِرَّ" بِفَتْحِ الْبَاءِ. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ" فَقِيلَ: يَكُونُ" الْمُوفُونَ" عَطْفًا عَلَى" مَنْ" لِأَنَّ مَنْ فِي مَوْضِعِ جَمْعٍ وَمَحَلِّ رَفْعٍ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُوفُونَ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَالْأَخْفَشُ." وَالصَّابِرِينَ" نُصِبَ عَلَى الْمَدْحِ، أَوْ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ. وَالْعَرَبُ تَنْصِبُ عَلَى الْمَدْحِ وَعَلَى الذَّمِّ كَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إِفْرَادَ الْمَمْدُوحِ وَالْمَذْمُومِ وَلَا يُتْبِعُونَهُ أَوَّلَ الْكَلَامِ، وَيَنْصِبُونَهُ. فَأَمَّا الْمَدْحُ فَقَوْلُهُ:" وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ «٣» " [النساء: ١٦٢]. وَأَنْشَدَ الْكِسَائِيُّ:
وَكُلُّ قَوْمٍ أَطَاعُوا أَمْرَ مُرْشِدِهِمْ ... إِلَّا نُمَيْرًا أَطَاعَتْ أَمْرَ غَاوِيهَا
الظَّاعِنِينَ وَلَمَّا يُظْعِنُوا أَحَدًا ... وَالْقَائِلُونَ لِمَنْ دَارٌ نُخَلِّيهَا
وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ:
لَا يَبْعَدْنَ قَوْمِي الَّذِينَ هُمْ ... سُمُّ الْعُدَاةِ وَآفَةُ الْجُزْرِ «٤»
النَّازِلِينَ بِكُلِ مُعْتَرَكٍ ... وَالطَّيِّبُونَ مَعَاقِدَ الْأُزْرِ
وَقَالَ آخَرُ:
نَحْنُ بَنِي ضبة أصحاب الجمل
Juz 2, halaman 239 ›
Pembahasan ayat ini masih 4 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.