ذلك العذاب مستحق بسبب كونهم... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْكِتابَ﴾ وهو أولى من تعليقهما بالفعل قبلهما.
﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها، والجملة الفعلية صلته لا محل لها. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي المزحلقة، (في ﴿شِقاقٍ﴾): متعلّقان بمحذوف خبر (إنّ).
﴿بَعِيدٍ:﴾ صفة شقاق، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿الْكِتابَ،﴾ والرابط:
الواو، وإعادة الكتاب بلفظه للتعظيم، والتنويه بشأنه، ورفعة قدره.
الشرح: من هنا بداية النصف الثاني من السّورة الكريمة على وجه التّقريب، ونصف السّورة السّابق كان متعلقا بأصول الدّين، وبقبائح اليهود، ومساوئهم، وهذا النصف غالبه متعلق بأحكام الإسلام الفرعية تفصيلا: من صيام، وحج، وطلاق، وعدة، كما ستراه مفصلا؛ إن شاء الله تعالى، ووجه المناسبة: أنه تعالى ذكر في الآيات السابقة: أنّ أهل الكتاب اختلفوا في دينهم اختلافا كبيرا صاروا بسببه في شقاق بعيد، ومن أسباب شقاقهم أمر القبلة؛ إذ أكثروا الخوض فيه، وأنكروا على المسلمين التحوّل إلى استقبال الكعبة، وادّعى كلّ من الفريقين: اليهود، والنصارى:
أن الهدى مقصود على قبلته، فردّ الله عليهم، وبيّن: أنّ العبادة الحسنة، وعمل البر ليس بتوجّه الإنسان جهة المشرق، والمغرب، ولكن بطاعة الله، وامتثال أوامره، وبالإيمان الصّادق الرّاسخ.
هذا؛ والآية الكريمة، كما ترى جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها، دالة عليها صريحا، أو ضمنا، فإنّها بكثرتها، وتشعّبها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحّة الاعتقاد، وحسن المعاشرة، وتهذيب النفس، ولذلك وصف المستجمع لها بالصّدق نظرا إلى إيمانه، واعتقاده، وبالتقوى اعتبارا بمعاشرته للخلق، ومعاملته مع الحقّ، وإليه أشار النبي ﷺ بقوله: «من عمل بهذه الآية؛ فقد استكمل الإيمان». وإليك التفصيل:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ البر: كلمة جامعة لخصال الخير الدنيوية، والأخروية من قول، أو عمل، أو اعتقاد، وهو بكسر الباء، وهو بضم الباء: القمح، ونحوه ممّا يقتات، ويؤكل، وهو بفتحها:
البار بوالديه، وبأرحامه، وهو أيضا اسم من أسماء الله الحسنى، وهو أيضا: الأرض الفلاة،
والأرض اليابسة ما عدا البحر. ﴿أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ:﴾ توجّهوا، أي: في الصلاة. ﴿قِبَلَ:﴾ جهة.
﴿الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ:﴾ انظر الآية رقم [١١٥]. ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ تقدّم شرح هذه الكلمات مفصّلا في محاله.
﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ في مرجع الضّمير قولان: أحدهما: يرجع إلى المال نفسه؛ أي: إنّ المؤتي محتاج إليه، وهو مع ذلك يؤثر غيره به. والثاني: يرجع إلى الله تعالى؛ أي: يؤتي المال على حبّ الله تعالى. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الدّهر): ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾.
هذا و ﴿الْمالَ﴾ قال فيه ابن الأثير: وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم، وقال الجوهريّ: ذكر بعضهم: أن المال يؤنث، وأنشد لحسّان-﵁: [البسيط]
المال تزري بأقوام ذوي حسب... وقد تسوّد غير السّيّد المال
وعن المفضل الضّبّيّ: المال عند العرب: الصّامت، والنّاطق، فالصّامت: الذهب، والفضة، والجواهر، والناطق: البعير، والبقرة، والشاة، فإذا قلت عن بدوي: كثر ماله؛ فهو الناطق، وإذا قلت عن حضري: كثر ماله؛ فهو الصّامت. هذا؛ والنّشب: يطلق على المال الثابت، كالضّياع، والدّور، وقد قال عمرو بن معديكرب الزّبيدي-﵁-في ذلك-وهو الشاهد رقم [٥٩٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، ورقم [٤٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط]
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
﴿ذَوِي الْقُرْبى:﴾ أصحاب القرابات من جهة الأب، أو الأم. والإنفاق عليهم مع حاجتهم للمال أفضل من الإنفاق على الغرباء؛ لأنه صدقة، وصلة، فعن سليمان بن عامر-﵁-عن النبيّ ﷺ قال: «الصّدقة على المسكين صدقة، وعلى ذوي الرّحم ثنتان: صدقة، وصلة»، أخرجه النّسائي، والترمذي. وفضّل الرسول ﷺ الصدقة على الأقارب على عتق الرّقاب. فقال لميمونة زوجه، وقد أعتقت وليدة: «أما إنّك لو أعطيتها أخوالك؛ كان أعظم لأجرك». وعن عبد الله بن عمر ﵄-قال: قال رسول الله ﷺ: «أيّما رجل أتاه ابن عمّه، فسأله من فضله، فمنعه؛ منعه الله فضله يوم القيامة». أخرجه الطّبرانيّ، وقال زهير بن أبي سلمى: [الطويل]
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله... على قومه يستغن عنه ويذمم
﴿وَالْيَتامى:﴾ انظر الآية رقم [٨٣]. (﴿الْمَساكِينَ﴾) جمع مسكين، وهو ممن دخله لا يقوم بكفايته، والفقير أسوأ حالا منه. (﴿اِبْنَ السَّبِيلِ﴾): المسافر، والمنقطع في سفره، وأطلق عليه ابن السبيل لملازمته الطّريق. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٢٦] ومثلها في سورة (الروم) رقم [٣٨]: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. هذا؛ واختلف: هل يعطى اليتيم
من صدقة التطوع بمجرد اليتم على وجه الصّلة، وإن كان غنيّا، أو لا يعطى؛ حتى يكون فقيرا؟ قولان للعلماء، وهذا على أن يكون إيتاء المال غير الزكاة الواجبة على ما بيّنته، أما الزكاة الواجبة؛ فلا يعطى منها إلا إذا كان فقيرا.
﴿وَالسّائِلِينَ:﴾ جمع: سائل، وهو الذي يطلب منك المال، ويريد منك المساعدة، والعون، وقد حثّ الرّسول ﷺ على إعطاء السّائل، وبذل المال له مهما كان قليلا، ومهما كانت هيئة السّائل، وحالته، فقد قال ﷺ: «لا تردّوا السّائل ولو بظلف محرق». وقال: «أعطوا السّائل ولو جاء على ظهر فرس». وإن كان ضعيفا. وفي رواية للإمام أحمد، وأبي داود: «للسّائل حقّ؛ وإن جاء على فرس». وفي الوقت نفسه حذر الرّسول ﷺ من السؤال، والمسألة، وشدّد النكير على الذين يتسوّلون. وخذ ما يلي:
فعن عبد الله بن عمر-﵄: أنّ النبي ﷺ قال: «لا تزال المسألة بأحدكم حتّى يلقى الله تعالى؛ وليس في وجهه مزعة لحم». أخرجه البخاري، ومسلم.
وعنه أيضا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المسألة كلوح في وجه صاحبها يوم القيامة، فمن شاء استبقى على وجهه». رواه الإمام أحمد.
فالرّسول ﷺ يريد من المسلم أن يكون عزيز النفس، مرفوع الرأس، لذا نفّر من السؤال، والمسألة، ورغّب في العمل، فعن الزّبير بن العوّام-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ:
«لأن يأخذ أحدكم أحبله، فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها، فيكفّ بها وجهه خير له من أن يسأل النّاس أعطوه، أم منعوه» وغير ذلك. وخذ هذه الطرفة عن الأصمعي-رحمه الله تعالى -حيث قال: مررت في بعض سكك الكوفة؛ فإذا برجل قد خرج من حشّ وعلى كتفه جرّة، وهو يقول: [الطويل]
وأكرم نفسي إنّني إن أهنتها... وحقّك لم تكرم على أحد بعدي
فقلت له: أتكرمها بمثل هذا؟ قال: نعم، وأستغني عن مسألة مثلك: إذا سألته، ثم قال:
صنع الله بك، وترك! فقلت: تراه عرفني، فأسرعت، فصاح بي، وأنشد: [الوافر]
لنقل الصّخر من قلل الجبال... أحبّ إليّ من منن الرّجال
يقول النّاس كسب فيه عار... وكلّ العار في ذلّ السّؤال
﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ أي: فكّها من الرّقّ، والعبودية يوم كانت موجودة، وذلك بالمكاتبة، أو فكّ الأسارى. وإعطاء المال لهؤلاء، والحثّ عليه المراد به غير الزكاة المفروضة، وغير الكفّارات على جميع أنواعها، وإنّما هو على سبيل القرب بدليل عطف الزكاة عليه فيما يلي.
﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا:﴾ هم الذين إذا وعدوا؛ أنجزوا، وإذا نذروا؛ وفّوا، وإذا حلفوا؛ بروا في أيمانهم. وإذا قالوا؛ صدقوا في أقوالهم، وإذا ائتمنوا؛ أدّوا الأمانة. خازن.