المناسبة: أدَّى تحويل القبلة إلى المسجد الحرام إلى فتنة كبرى، وخلاف، وبلبلة بين أتباع كلّ ملَّة، وأخرى، وكلّ ملَّة دعت إلى اتباع قبلتها، سواء كانت المسجد الحرام، أو بيت المقدس، أو المشرق، أو المغرب.
حتّى نزلت هذه الآية فأبان الله -جل وعلا- للناس كافة: أنّ مجرد التّوجه إلى أي قبلة ليس في ذاته هو البر الحقيقي المقصود، ثمّ أبان البر الحقيقي فقال:
﴿لَّيْسَ﴾: أداة نفي.
﴿الْبِرَّ﴾: قيل: هو الشّيء الحسن النّافع، والبر: اسم جامع لكلّ خير ولكلّ طاعة، وعمل صالح، يؤدي إلى خلق حميد وقربى إلى الله.
﴿أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾: أي: ليس البر هو مجرد تولية الوجه في الصّلاة نحو المسجد الحرام، أو بيت المقدس، أو المشرق، أو المغرب.
﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾: الإيمان الّذي يتضمن توحيده في ألوهيته، وربوبيته، وفي أسمائه وصفاته من دون تشبيه، أو التحريف، أو تعطيل، أو تكييف، وعبادته، وطاعته بإخلاص ومحبة.
﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: أي: الإيمان بكلّ ما أخبر به الله ﷾ في كتابه، أو أخبر به رسوله ﷺ، الإيمان بأحداثه المروعة، وأهواله، ويشمل البعث، والحشر، والحساب، والعرض، والموازين، وتطاير الصّحف، والصّراط، والجنة، والنّار.
﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّنَ﴾: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾: بأنّ لله ملائكة موجودين مخلوقين من نور، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، ولهم وظائف، ولهم صفات وأعمال نؤمن بها من دون زيادة، ولا نقصان، ولا تحريف.
﴿وَالْكِتَابِ﴾: أي: الكتب الّتي أنزلها الله على أنبيائه، ورسله، ومنها: القرآن، والتّوراة، والإنجيل، والزّبور، والصّحف الّتي أنزلها على إبراهيم، وموسى، والكتب الّتي أنزلها على سائر الرّسل، ولم يخبرنا بها.
﴿وَالنَّبِيِّنَ﴾: ومنهم الرّسل فكلّ رسول نبي، وليس كلّ نبي رسول، وقد ورد ذكر أسماء بعضهم في القرآن، والبعض الآخر لم يذكر، فالإيمان بهم يأمرنا أنّ نؤمن بهم جميعاً، ولا ننكر نبوَّة أحد منهم، ولا رسالته، ونؤمن أنّ كلّاً منهم أدَّى أمانته، وبلَّغ رسالته … وأنّ الله أمدَّهم بالمعجزات، فقد قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِى إِلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧]، ثم ينتقل وصف البر من الأمور العقدية إلى الأمور المادية، ومنها:
﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى﴾: ﴿وَآتَى﴾: معناها أعطى المال على حبه، والهاء تعود إلى حب المال، أو تعود إلى حب الإيتاء، فيصبح معناها:
أعطى المال، وهو يحب المال، أو يحب أن يتصدق به، أو كلاهما معاً، والإيتاء غير العطاء.
وآتى المال، ولم يقل يعطي المال؛ لأن العطاء: دليل التّملك، دون الإيتاء، وأنت حين تؤتي المال، ولا تقول تعطي؛ لأنك إذا قلت: تعطي؛ أي: يصبح المعطى له مالكاً له، وفي الحقيقة هو لا يملك المال، وإن أعطيته؛ لأنّ المال هو مال الله، والملكية هي ملكية غير حقيقية؛ لأنّك سوف تموت، وتتركه لغيرك، أو تدفعه زكاة، أو صدقة، فكلمة تؤتي أحق وأفضل من استعمال تعطي، ثم إن هناك أمراً آخر قال سبحانه: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾: ولم يقل: آتى المال وهو يحبه؛ لأنّ استعمال على أفادت على تمكُّن حب المال في قلبه وشدة التّعلق به.
إذن فعلاً هو يحب المال؛ كقوله سبحانه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وقد تأتي بالمعنى الآخر آتى المال على حبه؛ أي: أعطى المال كصدقة، وهو يحب الصّدقات؛ لأنّ حب ما عند الله من ثواب أعلى وأفضل من حبه لفطرة المال وجمعه، والرّأي الأوّل أقوى.
﴿ذَوِى الْقُرْبَى﴾: أوّل من تؤتي المال ذوي القربى، الأقارب جميعاً الأقرب فالأقرب؛ لأنه كما جاء في حديث سلمان بن عامر: أنّ رسول الله ﷺ قال: «صدقتك على المسكين صدقة، وعلى ذي رحمك اثنتان؛ لأنّها صدقة وصلة رحم» أخرجه النّسائي، والتّرمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وأحمد.
﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِى الرِّقَابِ﴾: ﴿وَالْيَتَامَى﴾: جمع يتيم، وهو من فقد أباه، ولم يبلغ مبلغ الرجال؛ أي: الحلم.