﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: جوابًا؛ لأنَّ مَن اشتدَّتْ عليه تلكَ المشاعرُ لا يمكنُ أنْ يَرجعَ جوابًا؛ بل يخاطبُه لا بالعبارة ولا بالإشارة، من الرَّجْع بمعنى الصَّرفِ، لا من الرجوعِ بمعنى الانصرافِ، فإنَّ (رجَعَ) لازمٌ ومتعدٍّ.
أمَّا تقديرُ المَثَل فلا بد منه للعطف على السَّابق، وأمَّا تقديرُ (ذَوِي) فلقوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، وإلَّا فنَفْسُ التَّشبيهِ لا يقْتَضي تقديرَ شيءٍ، إذْ لا يلزمُ في التَّشبيه المركَّب أنْ يكونَ ما يلي الكافَ هو المشبَّهَ بهِ كما في قوله:
و (أو) في الأصل للتَّساوي في الشكِّ، ثمَّ اتُّسع فيْها فأُطلق للتَّساوي من غيرِ شكٍّ؛ مثلَ: جالِسِ الحسنَ أو ابنَ سيرينَ، ومعناهُ: أنَّ قصَّة المنافقينَ مشبَّهةٌ بهاتينِ القصَّتينِ، وألَهما سواءٌ في صحَّة التَّشبيهِ بهما.
وتثْنيَةُ التَّمثيلِ كشفٌ بعدَ كشفٍ، وإيضاحٌ غِبَّ (¬١) إيضاحٍ، وكما يجبُ على البليغ في مظانِّ الإجماعِ والإيجازِ أنْ يُجملَ ويُوجزَ، فكذلكَ الواجبُ عليهِ في موارد التَّفصيلِ والإشباعِ أنْ يفصِّلَ ويُشبعَ، أنشدَ الجاحظُ:
من المستَعليَة والياءَ مشددةٌ والباءَ من الشَّديدة، ومن جهةِ المعنى فإنَّ الصَّوبَ: فرطُ الانسكابِ والوقوعِ، ومن جهة البِناءِ فإنَّ فَيْعلًا صفةٌ مشبَّهةٌ دالَّةٌ على الثُبوت، ومن جهة العارِضِ؛ لأنَّ التَّنكيرَ للتَّعظيم والتَّهويلِ.
﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ صفةٌ أُخرى في محلِّ الجرِّ، و (ظلماتٌ) مرفوعٌ بفاعلية الظَّرفِ بالاتِّفاق (¬١)؛ لاعتمادهِ على الموصوف، والمعنى: في أثنائه وتضاعيفِه إنْ أُريدَ بالصَّيِّب المطرُ، وجَعلُه مكانًا للرَّعد والبرْقِ؛ لأنَّهما في أعلاه ومنْحَدَرِه جُعلا كأنَّهما فيه بطريقِ استعار كلمةِ (في) للتَّلبُّس المخصوصِ الشبيهِ بتلبُّس الظَّرفيةِ الحقيقيَّةِ، والظُّلماتُ: تكاثفُ المطرِ بتَتابُعِ القَطْر والسَّحابِ وسُحْمتِه وتطبيقه معَ ظلمةِ اللَّيلِ.
وإنْ أُريدَ به السَّحابُ ففيهِ الرعدُ والبرْقُ، وأمَّا الظُّلمات فما ذُكِرَتْ بعَيْنِها إلَّا المطرَ، فإنَّه قد يكونُ وقد لا يكونُ (¬٢).
والرَّعدُ: الصَّوتُ الذي يُسمَع من السَّحاب عندَ تمزيقِ الرِّيح إياه، وهو تحريق (¬٣) الدُّخانِ البُخارَ عندَ احتِقانهِ فيه بتكاثُفه.
والبَرْقُ: ما يَلمَعُ مِن السَّحاب إذا تحاكَّتْ أجزاؤُه، مِن بَرَقَ الشَّيءُ بريْقًا: إذا لَمَعَ.