ولم يُجمَع (رعدٌ وبرقٌ)، وإنْ كان الجمعُ أشدَّ مناسبةً لقوله تعالى: (ظلماتٌ) وأكثرَ مبالغةً كما في قول البُحتريِّ:
يا عارِضًا مُتَلفِّعًا بِبُرودِه … يَختالُ بيْنَ بُرُوقهِ ورُعودِهِ (¬١)
لكونِهما في الأصل مصدَرينِ، فإنْ أُريد العينانِ رُوعِي الأصلُ فلمْ يُجمَعا، وإنْ أُريد الحدَثانِ؛ أي: الإبراقُ والإرعادُ فحقُّهما الإفراد، وأيضًا قُصِدَ التَّهويلُ المناسب للمقامِ بغرابةِ (¬٢) نوعهما المستفاد من التنْكير، لا بتَعدُّدِ أفرادهما المسْتَفادِ مِن صيغةِ الجمْعِ.
﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم﴾ جملةٌ استِئْنافيّةٌ، وذلك أنَّه لمَّا ذَكَر الظلماتِ والرَّعدَ والبَرْق على ما يُؤذِنُ بالهول والشدَّةِ، فكأنَّ قائلًا قال (¬٣): فكيفَ حالُهم مع ذلك الرعدِ؟ فقال: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم﴾، ثمَّ قال: فكيفَ حالُهم مِن ذلك البرقِ؟ فقيل: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، ثم قال: فكيفَ حالُهم مع تلك الظلماتِ؟ فقيل: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾.
أو صفةٌ للمضاف المحذوفِ في محلِّ الجرِّ؛ أي: ذوِي صيِّبٍ يجعلونَ، وصحَّ رجوعُ الضَّمير إلى ذلك المضافِ لكونهِ في الحكم المذكورِ.
وفي ذِكر الأصابعِ من المبالغة ما ليسَ في ذِكر الأناملِ، ومبناها على أنْ تكونَ الأصابعُ بمعناها لا بمعنى الأناملِ، وفي العُدول عنْ: (يُدخلون) - وهو الظاهرُ - إلى المذكور نوعُ تقويَةٍ لتلك المبالغةِ.
ثمّ إنَّه كنايةٌ عن كمال الحَيْرةِ وفرْطِ الدَّهشةِ، فيَستقيم المعنى بلا حاجةٍ إلى تنزيلِ الكلام عَن درجتِه البَليغةِ حذَرًا عن عدم مطابقتِه للواقع (¬١).
﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ متعلِّق بـ (يجعلون)؛ أي: مِن أجلها يَجعلون، كقولك: سقاهُ من العَيمة (¬٢).
والصَّاعقةُ: قصفةُ رعدٍ تنقَضُّ معها شُقَّةٌ من نارٍ لطيفةٍ حديدةٍ لا تمرُّ بشيءٍ إلَّا أتتْ عليه، لكنَّها مع حدَّتِها سريعةُ الخُمودِ لِلَطافَتِها، وهي تنْقدحُ مِن السَّحاب إذا اصطَكَّتْ أجرامُه.
أو جِرْمٌ ثقيلٌ مُذابٌ مفرَغٌ من الأجزاء اللَّطيفةِ الأرضيَّة الصَّاعدةِ المُسماةِ دخانًا، والمائيَّةِ المُسماة بخارًا، حارٌّ حادٌّ في غاية الحدَّةِ والحرارة لا يقعُ على شيءٍ إلا ثُقب وأُحرق (¬٣) ونفذَ في الأرض حتى بلغَ الماءَ فانطفى ووقفَ، ومنه الخارصينُ (¬٤).
من الصَّعق: وهو شدَّةُ الصَّوتِ، وقد يُطلق على كلِّ هائلٍ مسموعٍ أو مشاهَدٍ، ويقال: صعَقَتْهُ الصَّاعقةُ: إذا أهلَكَتْهُ بالإحراق أو شدَّةِ الصَّوتِ.
وقُرِئ: (من الصَّوَاقع) (¬٥) وهو ليس بقلبٍ لـ (الصواعق)؛ لاستواءِ البِناءينِ في
التَّصرُّف، يقال: صَقعَ الدِّيكُ (¬١)، وخطيِبٌ مِصْقَعٌ، ونظيرُه (جبَذ) في (جذَب)، وهي في الأصل إمَّا صفةٌ لقَصْفة الرَّعدِ أو للرَّعد، والتاءُ للمبالغةِ كما في الرَّاوية، أو مصدرٌ كالعافية والكاذبةِ.
﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ منصوبٌ على المفعول لهُ، والموتُ: زوالُ الحياةِ.
﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ جملةٌ اعتراضيّة لا محلَّ لها، وإحاطةُ اللهِ بالكافرينَ مجازٌ، معناه: أنَّهم لا يَفوتونَهُ كما لا يفوتُ المُحاطُ به المحيطَ.