هذه السورة مدنية، نزلت في مدد شتّى، وفيها آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ، وهي: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة: ٢٨٠] .
ويقال لسورة البقرة: «فسطاط القرآن» وذلك لعظمها وبهائها وما تضمنت من الأحكام والمواعظ.
وتعلمها عبد الله بن عمر ﵄ بفقهها وجميع ما تحتوي عليه من العلوم في ثمانية أعوام، وفيها خمسمائة حكم، وخمسة عشر مثلا.
وروى الحسن بن أبي الحسن أن رسول الله ﷺ قال: «أي القرآن أفضل؟» قالوا:
الله ورسوله أعلم. قال: «سورة البقرة» ثم قال: «وأيها أفضل؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «آية الكرسي» .
ويقال إن آيات الرحمة والرجاء والعذاب تنتهي فيها معانيها إلى ثلاثمائة وستين معنى.
وروي أن رسول الله ﷺ قال: «أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه والطواسين من ألواح موسى. وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش» .
وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غيايتان بينهما شرف، أو غمامتان سوداوان، أو كأنهما ظلة من طير صوافّ تجادلان عن صاحبهما» .
وفي البخاري أنه ﵊ قال: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» .
وروى أبو هريرة عنه ﷺ أنه قال: «البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان» .
وروي عنه ﵇ أنه قال: «لكل شيء سنام وسنام القرآن سورة البقرة، فيها آية هي سيدة أي القرآن هي آية الكرسي» .
وعدد آي سورة البقرة مائتان وخمس وثمانون آية، وقيل: ست وثمانون، وقيل سبع وثمانون.
قال الشعبي عامر بن شراحيل وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين: «هي سرّ الله في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه، ولا يجب أن يتكلم فيها، ولكن يؤمن بها وتمرّ كما جاءت» .
وقال الجمهور من العلماء: «بل يجب أن يتكلم فيها وتلتمس الفوائد التي تحتها والمعاني التي تتخرج عليها» واختلفوا في ذلك على اثني عشر قولا:
فقال علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄: «الحروف المقطعة في القرآن هي اسم الله الأعظم، إلا أنا لا نعرف تأليفه منها» .
وقال ابن عباس أيضا: «هي أسماء الله أقسم بها» .
وقال زيد بن أسلم: «هي أسماء للسور» .
وقال قتادة: «هي أسماء للقرآن كالفرقان والذكر» .
وقال مجاهد: «هي فواتح للسور» .
قال القاضي أبو محمد عبد الحق ﵁: كما يقولون في أول الإنشاد لشهير القصائد: «بل» و «لا بل» . نحا هذا النحو أبو عبيدة والأخفش.
وقال قوم: «هي حساب أبي جاد لتدل على مدة ملة محمد ﷺ كما ورد في حديث حيي بن أخطب» وهو قول أبي العالية رفيع وغيره.
وقال قطرب وغيره: «هي إشارة إلى حروف المعجم، كأنه يقول للعرب: إنما تحديتكم بنظم من هذه الحروف التي عرفتم، فقوله الم بمنزلة قولك أ، ب، ت، ث، لتدل بها على التسعة والعشرين حرفا» .
وقال قوم: «هي أمارة قد كان الله تعالى جعلها لأهل الكتاب أنه سينزل على محمد كتابا في أول سور منه حروف مقطعة» .
وقال ابن عباس: «هي حروف تدل على: أنا الله أعلم، أنا الله أرى، أنا الله أفصّل» .
وقال ابن جبير عن ابن عباس: «هي حروف كل واحد منها إما أن يكون من اسم من أسماء الله، وإما من نعمة من نعمه، وإما من اسم ملك من ملائكته، أو نبي من أنبيائه» .
وقال قوم: «هي تنبيه ك «يا» في النداء» .
وقال قوم: «روي أن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة نزلت ليستغربوها فيفتحوا لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة» .
قال القاضي أبو محمد: والصواب ما قاله الجمهور أن تفسر هذه الحروف ويلتمس لها التأويل، لأنا نجد العرب قد تكلمت بالحروف المقطعة نظما لها ووضعا بدل الكلمات التي الحروف منها، كقول الشاعر:
أراد قالت: وقفت. وكقول القائل: [زهير بن أبي سلمى] [الرجز] .
بالخير خيرات وإن شرّا فا ... ولا أريد الشر إلا أن تا
أراد: وإن شرّا فشر، وأراد: إلا أن تشاء. والشواهد في هذا كثيرة، فليس كونها في القرآن مما تنكره العرب في لغتها، فينبغي إذا كان من معهود كلام العرب أن يطلب تأويله ويلتمس وجهه، والوقف على هذه الحروف على السكون لنقصانها إلا إذا أخبرت عنها أو عطفتها فإنك تعربها.
وموضع الم من الإعراب رفع على أنه خبر ابتداء مضمر، أو على أنه ابتداء، أو نصب بإضمار فعل، أو خفض بالقسم، وهذا الإعراب يتجه الرفع منه في بعض الأقوال المتقدمة في الحروف، والنصب في بعض، والخفض في قول ابن عباس ﵁ أنها أسماء لله أقسم بها.
قوله ﷿:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢]
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢)
الاسم من ذلِكَ الذال والألف، وقيل الذال وحدها، والألف تقوية، واللام لبعد المشار إليه وللتأكيد، والكاف للخطاب، وموضع ذلِكَ رفع كأنه خبر ابتداء، أو ابتداء وخبره بعده، واختلف في ذلِكَ هنا فقيل: هو بمعنى «هذا» ، وتكون الإشارة إلى هذه الحروف من القرآن.
قال القاضي أبو محمد: وذلك أنه قد يشار ب «ذلك» إلى حاضر تعلق به بعض الغيبة وب «هذا» إلى غائب هو من الثبوت والحضور بمنزلة وقرب. وقيل: هو على بابه إشارة إلى غائب، واختلف في ذلك الغائب، فقيل: ما قد كان نزل من القرآن، وقيل: التوراة والإنجيل، وقيل: اللوح المحفوظ أي الكتاب الذي هو القدر وقيل: إن الله قد كان وعد نبيه أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء، فأشار إلى ذلك الوعد.
وقال الكسائي: «ذلِكَ إشارة إلى القرآن الذي في السماء لم ينزل بعد» . وقيل: إن الله قد كان وعد أهل الكتاب أن ينزل على محمد كتابا، فالإشارة إلى ذلك الوعد. وقيل: إن الإشارة إلى حروف المعجم في قول من قال الم حروف المعجم التي تحديتكم بالنظم منها.
ولفظ الْكِتابُ مأخوذ من «كتبت الشيء» إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض ككتب الخرز بضم الكاف وفتح التاء وكتب الناقة.
ورفع الْكِتابُ يتوجه على البدل أو على خبر الابتداء أو على عطف البيان. ولا رَيْبَ فِيهِ معناه: لا شكّ فيه ولا ارتياب به والمعنى أنه في ذاته لا ريب فيه وإن وقع ريب للكفار.
وقال قوم: لفظ قوله لا رَيْبَ فيه لفظ الخبر ومعناه النهي.