الخمر، فإنها حرمت بالمدينة وكانت تصنع من العسل والزبيب، والتمر والشعير والقمح، وأنزل الله في الخمر آيات أربعا تدرجت بالعرب لتنقلهم مما ألفوه إلى حكم الشرع النهائي. وأول آية بدأت بالتعريض بالخمر قول الله تعالى:
وصف تناول العنب والتمر على سبيل التفكه الطازج بالحسن ولم يوصف السّكر بذلك مما يدل على التفرقة بينهما. ثم جاء عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر، فإنهما مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فأنزل الله تعالى هذه الآية:
ويلاحظ أن الإثم في الخمر: ذهاب العقل والسباب والافتراء وإيذاء الآخرين، والتعدي عليهم في أعراضهم وكراماتهم، والمقصود بالمنافع: كسب الأثمان والنفع التجاري، ولما أخبر الله ﷿ أن الإثم أكبر من النفع أو اللذة، وأعود بالضرر في الآخرة، كان ذلك تقدمة أو تمهيدا للتحريم.
ثم منع الله المصلين من أداء الصلاة حال السكر، لأنهم لا يعقلون ما يقولون، فقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣) [النساء: ٤/ ٤٣] .
ثم أنزل الله تعالى آية تحريم الخمر تحريما قاطعا، مع بيان أسباب التحريم فقال سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ- رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) [المائدة: ٥/ ٩٠- ٩١] .
والأمر باجتناب الخمر والميسر يدل على التحريم وزيادة: وهو التنفير من الاقتراب منها، والبعد عنها بعدا شديدا، لأن تناول الخمر مضيعة للمال، مذهبة للعقل، تدمير للصحة، فهي كما أثبت الأطباء تلحق أضرارا شديدة بجميع أجزاء جهاز الهضم، فضلا عن أضرارها الأدبية حيث يصير السكران موضع استهزاء وسخرية واحتقار لما يصدر عنه عادة من كلام الهذيان، بسبب ضياع عقله واهتزاز أفكاره، وفقد توازن شخصيته، لذا حرّم الله الخمر والمخدرات كالأفيون والحشيش والهراوين، لما فيها من الأضرار،
وقال النبي ﷺ: «مدمن الخمر كعابد الوثن» «الخمر أم الخبائث» والكبائر، و «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» و «ما أسكر كثيره فقليله حرام» و «لعن الله الخمر ولعن معها عشرة: بائعها ومبتاعها، والمشتراة له، وعاصرها، والمعصورة له، وساقيها، وشاربها، وحاملها والمحمولة إليه، وآكل ثمنها» .
فهذه آثام كثيرة، وكل من ساعد في شرب الخمر حكمه وإثمه كحكم وإثم الشارب تماما، وهكذا يتبين ما للخمر من أضرار شخصية واجتماعية ومالية، ففيها ضرر للفرد والجماعة وفي شرائها تبديد للثروة والمال من غير أي نفع.
تحريم الميسر (القمار) وأضراره
حرم الله الميسر (القمار) كما حرم الخمر، وقرن في آيات التحريم بين الخمر والميسر، لما فيهما من تضييع الأموال وإتلاف الثروات، فقال الله تعالى:
وكان تعامل العرب في الجاهلية بالميسر على النحو التالي، كانت سهام الميسر عندهم عشرة، سبعة لها حظوظ، لكل منها نصيب معلوم، وثلاثة لا نصيب لها، وكان لكل واحد منها اسم، أكثرها حظا المعلّى، وأقلها حظا الفذّ، فإذا جاء الشتاء واشتد البرد على الفقراء، اشتروا الجزور (الجمل) وضمن الأغنياء (الأيسار) الثمن، ثم تنحر الجزور، ثم يجعلون السهام (الأعواد) العشرة في كيس أو ربابة، ثم يحركها أمين المقامرين مرتين أو ثلاثا، فيخرج منها الأقداح (الأعواد) فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ نصيبه، ومن خرج له قدح مما لا نصيب له، لم يأخذ شيئا، وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون الأنصباء الرابحة إلى الفقراء، ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك، ويذمون من لم يشترك معهم، وذلك هو الميسر عند العرب، ويشبه ما يسمى باليانصيب الخيري اليوم.
حرم الله الميسر تحريما قاطعا كتحريم الخمر، لأن الميسر إثم كبير، يؤدي إلى اليسار والغنى الطارئ من غير تعب ولا جهد، ويلحق الضرر بالخاسر، فهو غرم مجهد ثقيل، ويثير العداوة بلا سبب، ويزرع الحقد والكراهية من غير مسوغ، ويضيع الوقت من غير فائدة، ويصرف العقل عن جادة التفكير النافع، ومع ذلك فهو مدعاة للكسل والخمول، واصطياد الثروة والمال من غير عناء ولا مشقة، فلا يكون فيه بركة