المحذوف: صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة:
﴿وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ معطوفة على جملة الصّلة، لا محل مثلها، و ﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿يَرْجُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، ﴿رَحْمَتَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مبتدأة، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط الواو، وإعادة الاسم الكريم بلفظه، والاستئناف ممكن.
المناسبة: لمّا ذكر الله تعالى في الآية السابقة أحكام الجهاد، وبيّن الهدف السامي من مشروعيته، وهو نصرة الحق، وإعزاز الدّين، وحماية الأمة من أن يلتهمها العدو الخارجيّ؛ ذكر بعدها ما يتعلق بإصلاح المجتمع الداخلي على أسس من الفضيلة والخلق الكريم، ولا بدّ للدولة من الإصلاح الداخلي، والخارجي؛ لتقوم دعائمها على أسس متينة، وتبقى صرحا شامخا، لا تؤثر فيه الأعاصير.
الشرح: ﴿يَسْئَلُونَكَ:﴾ فقد روى جماعة عن ابن عبّاس-﵄-قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمّد ﷺ ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة، كلّهن في القرآن:
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ،﴾﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ،﴾﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى..﴾. إلخ ما كانوا يسألون إلا عمّا ينفعهم. قال ابن عبد البر: ليس في الحديث من الثلاث عشرة مسألة إلا ثلاث.
أقول: يناقض هذا قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [١٠١]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْها وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ وقوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وعن المغيرة بن شعبة-﵁، عن النبي ﷺ قال: «إنّ الله حرّم عليكم، عقوق الأمّهات، ووأد البنات، ومنعا وهات، وكره لكم: قيل، وقال، وكثرة السّؤال، وإضاعة المال». أخرجه البخاريّ، وغيره. فهذا يدلّ على أنّهم كانوا يكثرون السؤال.
﴿عَنِ الْخَمْرِ:﴾﴿الْخَمْرِ:﴾ مأخوذ من خمر: إذا ستر، ومنه: خمار المرأة. وكلّ شيء غطّى شيئا فقد خمره. ومنه قول النّبي ﷺ: «خمّروا آنيتكم». فالخمر تخمر العقل، أي: تغطيه، وتستره، ومن ذلك الشّجر الكثير الملتف يقال له: الخمر بفتح الميم؛ لأنه يغطّي ما تحته، ويستره، يقال منه: أخمرت الأرض: كثر خمرها، قال الشاعر: [الوافر]
ألا يا زيد والضّحّاك سيرا... فقد جاوزتما خمر الطّريق
أي: سيرا مدلّين فقد جاوزتما الوهدة الّتي يستتر بها الذّئب، وغيره. وهو على حذف مضاف؛ إذا التقدير: يسألونك عن شرب الخمر. ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ أي: وعن تعاطي الميسر: وهو قمار العرب بالأزلام، واشتقاقه من اليسر؛ لأنّه أخذ المال بسهولة من غير تعب، قال ابن عباس ﵄: كان الرّجل في الجاهلية يقامر الرّجل على أهله، وماله، فأيّهما قمر صاحبه؛ ذهب بماله، وأهله. والأزلام هي: سهام الميسر، وهي أحد عشر سهما، منها سبعة لها حظوظ، وفيها فروض على عدد الحظوظ، وهي: الفذّ، وفيه علامة واحدة، وله نصيب، وعليه نصيب إن خاب. الثاني: التوأم، وفيه علامتان، وله نصيبان وعليه نصيبان. الثالث:
الرّقيب، وفيه ثلاث علامات على ما ذكرنا. الرابع: الحلس، وله أربع. الخامس: النّافر، أو النافس أيضا، وله خمس. السّادس: المسبل، وله ست. السّابع: المعلّى، وله سبع، فذلك ثمانية، وعشرون فرضا، وأنصباء الجزور كذلك في قول الأصمعي، وبقي من السّهام أربعة، وهي الأغفال، لا فروض لها، ولا أنصباء، وهي: المصدّر، والمضعّف، والمنيح، والسّفيح.
تزاد هذه الثلاثة لتكثر السّهام على الّذي يجيلها، فلا يجد إلى الميل مع أحد سبيلا. وكانت عادة العرب أن تضرب الجزور بهذه السّهام في الشدّة، وضيق الوقت، وكلب البرد على الفقراء، يشترى الجزور، ويضمن الأيسار ثمنها، ويرضى صاحبها من حقّه، وكانوا يفتخرون بذلك، ويذمّون من لم يفعل ذلك منهم، ويسمونه البرم؛ أي: البخيل. قال متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك، ومدحه: [الطويل]
ولا برما تهدي النّساء لعرسه... إذا القشع من برد الشّتاء تقعقعا
وكانوا لا يأكلون منه شيئا، ويدعونه للفقراء، ويكتفون بمدح الناس لهم، والثّناء عليهم.
تنبيه: نزل في الخمر أربع آيات، نزل في مكّة قوله تعالى في سورة (النّحل): ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فهذه الآية في معرض الامتنان على الناس جميعا، فكان المسلمون يشربونها، وهم في مكّة، وهي حلال لهم، وبعد
الهجرة إلى المدينة المنورة جاء عمر، ومعاذ، ونفر من الصّحابة رضوان الله عليهم إلى النبي ﷺ، وقالوا: يا رسول الله! أفتنا في الخمر، فإنّها مذهبة للعقل، مسلبة للمال. فنزلت الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها، فشربها قوم، وتركها آخرون تورّعا، وترجيحا لمضرّتها على منفعتها، الّتي ذكرتها، ثم إن عبد الرحمن بن عوف-﵁-دعا جماعة من الصحابة إلى بيته، فشربوا، وسكروا، فلمّا حضرت صلاة المغرب، قدّموا أحدهم يصلّي بهم، فقرأ سورة (الكافرون): ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ إلخ، وحذف (لا) النافية، فأنزل الله تعالى قوله في سورة (النساء): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى..﴾. إلخ، فتركها الأكثرون، وقلّ من يشربها، وعمر بن الخطاب-﵁-كان يقول دائما: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا.
ثم إنّ عتبان بن مالك الأنصاري-﵁-دعا جماعة من الصّحابة فيهم سعد بن أبي وقاص-﵃ أجمعين-، فأكلوا، وشربوا، حتّى أخذت منهم الخمر، فافتخروا عند ذلك، وانتسبوا، وتناشدوا الأشعار، فأنشد سعد-﵁-قصيدة فيها فخر بقومه، وهجاء الأنصار، فأخذ رجل من الأنصار لحي بعير، فضرب به رأس سعد، فشجّه موضحة، فانطلق سعد إلى رسول الله ﷺ، وشكا إليه الأنصاريّ، فقال الفاروق-﵁: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا! ويروى: أن الحمزة-﵁-شرب الخمرة يوما، وخرج، فلقي رجلا من الأنصار، وبيده ناضح ناقة له، والأنصاريّ يتمثّل ببيتين لكعب بن مالك-﵁، يمدح بهما قومه، وهما: [الطويل]
جمعنا مع الإيواء نصرا وهجرة... فلم ير حيّ مثلنا في المعاشر
فأحياؤنا من خير أحياء من مضى... وأمواتنا من خير أهل المقابر
فقال الحمزة-﵁: أولئك المهاجرون، وقال الأنصاريّ: بل نحن الأنصار، فجرد الحمزة سيفه، وعدا على الأنصاريّ، فهرب الأنصاريّ، وترك ناضحه، فقطعه الحمزة بسيفه، فجاء الأنصاريّ شاكيا إلى رسول الله ﷺ، فأخبره بفعل الحمزة، فغرم له رسول الله ﷺ ناقة، فقال الفاروق-﵁: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا! فأنزل الله تعالى آية (المائدة) قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ..﴾. إلخ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فقال الفاروق-﵁: انتهينا يا رب! فكانت الآيات مما وافق رأي عمر-﵁-وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيّام.
هذا؛ والحكمة في وقوع التّحريم على هذا التّرتيب: أنّ الله تعالى علم: أنّ القوم كانوا قد ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بذلك كثيرا، فعلم أنّه لو منعهم من الخمر دفعة واحدة؛ لشقّ ذلك عليهم، فلا جرم استعمل هذا التّدريج، وهذا الرّفق. قال أنس ﵁: حرّمت