تناولت الآية السابقة، توصية الأولياء والأوصياء بالإصلاح المطلق لشئون اليتامى. وأَعقبتها هذه الآية متضمنة أساس صلاح الأُسرة، وهو الاشتراك في الدين بين الزوجين، وبذلك اشتركت الآيتان في أَن كلتيهما: تتناول لونًا من أَلوان الإصلاح في البيئة الإسلامية.
روى السدي عن ابن عباس ﵄ أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن رواحة. كانت له أَمةٌ سوداء وأنه غضب عليها فلطمها، ثم إنه فزع .. فأتى النبي ﷺ فأَخبره خبرها، فقال له النبي ﷺ: ما هي يا عبد الله؟ فقال هي يا رسول الله: تصوم وتصلي، وتحسن الوضوءَ، وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
فقال: يا عبد الله، هي مؤْمنة. قال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق نبيًا، لأعتقنها ولأَتزوجها، ففعل. فطعن عليه ناس من المسلمين، فقالوا نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا المشركين وينكحوهم: رغبة في أنسابهم، فأنزل الله ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ … ﴾ الآية.
المعنى: المراد من المشركات: مَن يعبدْن غير الله، ومن ليس لهن دين. وقد حرمت الآية نكاحهن. فلا يجوز أن يتزوجهن المسلمون بالإجماع.
أما الكتابيات: فلا تدل الآية على منع الزواج منهن، فإنهن لا يُعْرَفْنَ بالمشركات في لسان الشريعة الإسلامية، وإن كان اليهود يقولون: عُزَيْر ابنُ الله، والنصارى يقولون: المسيح ابن الله.
ومن العلماء من منع الزواج منهن. وحجته في ذلك: أنها تنكر معجزة النبي ﷺ وتضيفها إلى غيره - تعالى - هذا هو الشرك.
ولأن الشرك في هذه الآية، وقع في مقابل الإيمان في الآية التالية، فوجب حمْله على عدم الإيمان بالله ورسوله بأَي صورة. ولأنه - تعالى - أَطلق الشرك على أهل الكتاب، لقوله - تعالى - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (¬١).
وأخرج البخاري والنحاس في ناسخة، عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ وكان إذا سئل عن نجاح الرجل النصرانية أو اليهودية، قال: حرم الله تعالى المشركات على المسلمين، ولا أعرف شيئًا عن الإشراك، أَعظم من أن تقول المرأة: ربُّها عيسى، أو عبد من عباد الله تعالى.
وإلى هذا ذهب الإمامية، وبعض الزيدية، وجعلوا آية المائدة ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ منسوخة بهذه الآية، نسخ الخاص بالعام، وتلك - وإن تأخرت تلاوة - فهي مقدمة نزولًا.
والجمهور على الأول:
والآية تقرر: أَن المرأة المملوكة الرقيقة إذا آمنت، رفعها إيمانها فوق المشركة: حرة كانت أو أمة، وإن أعجبت المشركة من يريد الزوارج، لما لها من: حسب، أو نسب، أو جمال، أو مال.
ثم إن التفضيل يقتضي: أن في المشركة خيرًا. فإِما يراد الخير، بالانتفاع الدنيوي وهو مشترك بينهما، أو هو على حد قوله تعالى: ﴿أصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا﴾. (¬٢)
والمعنى: ولا تتزوجوا المشركات حتى يؤمن، فنكاحهن - وهن مشركات - حرام: لا ينعقد، ويعتبر وطؤهن زنى، ولأَمة مؤمنة يتزوجها المسلم، خير من مشركة: حرة كانت أم أمة، ولو أعجبتكم، بجمال أو مال، أو حسب أو نسب.