وأخيرا، يمكن القول: إن إباحة زواج المسلم بالكتابية عند غير الشيعة هو في الواقع حالة استثنائية، وليست أصلا، ولذا فإنا نشجب إقبال الشبان على الزواج بالأجنبيات، افتتانا بالجمال الأشقر، واستسهالا للزواج، لكونه بغير مهر يذكر، لأن هاتيك الزوجات تفسد على الرجل غالبا دينه ووطنيته، وتعزله عن انتمائه لبلاده وقومه، وتربي الأولاد على هواها ودينها، فضلا عن نظرة الاستعلاء والفوقية عندها، واحتقار العرب والمسلمين، وقد تقتل الزوج، وقد تأخذ الأولاد إلى بلادها وتترك الزوج، وقليل جدا منهن من أسلم، فلا مطمع فيهن.
وأما زواج المسلمة بغير المسلم فهو أشد وأنكى، إذ الزواج باطل حرام بإجماع المسلمين، والأولاد أولاد زنا، والعلاقة القائمة بينها وبين الرجل لا تجيز الاستمتاع وإن طال الأمد، لبطلانها أصلا، فإن استحلّت المرأة ذلك فهي مرتدة كافرة.
والإقامة في دار الكفر لا تسوغ القول بالحلّ، إذ يحرم على المسلم والمسلمة المقام بين الكفار إلا لضرورة قصوى أو حاجة ملحة أو موقوتة، ونعوذ بالله تعالى من هذا الانحراف الخطير، والتهاون في أمر الدين.
﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ قرئ بتشديد الطاء وتخفيفها، فمن قرأ بالتشديد أراد: حتى يغتسلن وأصله: يتطهرن، وكرهوا اجتماع التاء والطاء، فأسكنوا التاء وأبدلوا منها طاء، وأدغموا الطاء في الطاء. ومن قرأ بالتخفيف أراد: ينقطع دمهن، وعلى هاتين القراءتين ينبني الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة، في جواز وط ء الحائض إذا انقطع دمها لأكثر الحيض (١٠ أيام) قبل الغسل، فأجازه أبو حنيفة وأباه الشافعي.
البلاغة:
﴿قُلْ هُوَ أَذىً﴾ تشبيه بليغ أي كالأذى، والأذى كناية عن القذر على الجملة، أي أن الحيض شيء يستقذر ويؤذي من بقربه نفرة منه وكراهة له، فتتأذى منه المرأة وغيرها برائحة دم الحيض.
﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ كناية عن الجماع.
﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ﴾ على حذف مضاف أي موضع حرث، أو على سبيل التشبيه، فالمرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات الخارج.
المفردات اللغوية:
﴿الْمَحِيضِ﴾ هو الحيض كالمعيش أي العيش: وهو لغة: السيلان، يقال: حاض السيل وفاض. وشرعا: دم فاسد يخرج من أقصى رحم المرأة كل شهر مرة واحدة، أقله عند الشافعي وأحمد: يوم وليلة، وغالبة: ست أو سبع، وأكثره: خمسة عشر يوما. والحكمة: الاستعداد للحمل حين المعاشرة الزوجية، إبقاء للنوع البشري. وقد يراد بالمحيض: مكانه الذي يفعل بالنساء فيه ﴿أَذىً﴾ قذر أو محله، أو هو ضرر ومؤذ مكروه تتأذى به المرأة وغيرها أي برائحة دم الحيض.
واعتزال النساء من الحيض: ترك غشيانهن في هذه المدة. ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ مثل ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ﴾ كناية عن عدم الجماع.
﴿يَطْهُرْنَ﴾ يغتسلن بالماء إن لم يوجد مانع، أو التيمم خلفا عنه في رأي الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن طهرت لأقل من عشرة أيام، فلا تحل له إلا إذا اغتسلت، أو مضى وقت صلاة كامل والدم منقطع، وإن طهرت لأكثر مدته وهي عشرة أيام، حلت له ولو لم تغتسل. ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ بالجماع ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ بتجنبه في الحيض، وذلك في المكان المأمور به وهو القبل، لا الدبر ﴿التَّوّابِينَ﴾ من الذنوب ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ من الأقذار. ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ موضع حرث
كالأرض التي تستنبت، شبهت بها النساء، لأنها منبت للولد، كالأرض للنبات ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ أي جامعوا في القبل، كيف شئتم من قيام وقعود، واضطجاع وإقبال وإدبار، ونزل ردا لقول اليهود: من أتى امرأته في قبلها من جهة دبرها، جاء الولد أحول. ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ العمل الصالح، كالتسمية قبل الجماع ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ في أمره ونهيه ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾ بالبعث، فيجازيكم بأعمالكم ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذي اتقوه بالجنة.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٢٢):
روى مسلم والترمذي عن أنس بن مالك أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم، لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل الأصحاب رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآية، فقال:
«اصنعوا كل شيء إلا النكاح».
نزول الآية (٢٢٣):
روى الشيخان وأبو داود والترمذي عن جابر قال: كانت اليهود تقول إذا جامعها من ورائها-أي يأتي امرأته من ناحية دبرها في قبلها-: إن الولد يكون أحول، فنزلت: ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ.﴾. الآية (¬١).
وقال مجاهد: كانوا يتجنبون النساء في الحيض، ويأتونهن في أدبارهن مدة زمن الحيض، فنزلت. وروى الحاكم عن ابن عباس قال: إن هذا الحي من قريش كانوا يتزوجون النساء، ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات، فلما قدموا المدينة تزوجوا من الأنصار، فذهبوا ليفعلوا بهن كما كانوا يفعلون بمكة، فأنكرن ذلك وقلن: هذا شيء لم نكن نؤتى عليه، فانتشر الحديث حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية.