﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ، وخبره محذوف، وتقديره: يوصون وصية، والوصية هاهنا: قائمة مقام المصدر وهو الإيصاء، واللام في ﴿لِأَزْواجِهِمْ﴾ تتعلّق بالمصدر، أو بالفعل المقدر.
﴿مَتاعاً﴾ منصوب على المصدر، وغير إخراج: صفة له، أي: متاعا لا يخرجهن، أو منصوب على الحال من الموصين المتوفين، وتقديره: متاعا إلى الحول غير ذوي إخراج، أي مخرجين لهن. وهذه الآية منسوخة بما تقدّمها وهي آية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ.﴾. [البقرة ٢٣٤/ ٢].
المفردات اللغوية:
﴿وَيَذَرُونَ﴾ يتركون زوجات بعد وفاتهم. ﴿وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ﴾ أي فليوصوا وصية، أو يوصي الله وصية لأزواجهم، ومن قرأ: وصية بالرفع: كان مرفوعا على أنه مبتدأ، وخبره مقدر، وتقديره: فعليهم وصية لأزواجهم، والجملة من المبتدأ والخبر: خبر ﴿الَّذِينَ﴾ أو مرفوع بفعل محذوف تقديره: كتبت. ﴿مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ﴾ أي ليعطوهن ما يتمتعن به من النفقة والكسوة إلى تمام الحول من موتهم، أو جعل الله لهن ذلك متاعا مدّة الحول. ﴿غَيْرَ إِخْراجٍ﴾ حال أي غير مخرجات من مسكنهن، أي لهنّ ذلك المتاع، وهنّ مقيمات في البيت غير مخرجات منه، ولا ممنوعات من السكنى فيه. ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ بأنفسهن. ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا إثم عليكم يا أولياء الميت.
﴿فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ شرعا كالتزين وترك الإحداد وقطع النفقة عنها. ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾ في ملكه. ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٤٠):
أخرج إسحاق بن راهويه في تفسيره عن مقاتل بن حيان: أنّ رجلا من أهل الطائف قدم المدينة، وله أولاد ورجال ونساء، ومعه أبواه وامرأته، فمات بالمدينة، فرفع ذلك إلى النّبي ﷺ، فأعطى الوالدين، وأعطى أولاده بالمعروف، ولم يعط امرأته شيئا، غير أنهم أمروا أن ينفقوا عليها من تركة زوجها إلى الحول، وفيه نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ، وَيَذَرُونَ أَزْواجاً﴾ الآية (¬١).
نزول الآية (٢٤١):
أخرج ابن جرير الطبري عن ابن زيد قال: لما نزلت: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ، وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ، مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة ٢٣٦/ ٢] قال رجل: إن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فأنزل الله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ، حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
المناسبة:
هذه الآيات تتمة ما في السورة من أحكام الزواج، وتوسطت بينها آية الأمر بالمحافظة على الصلاة، لأنها عماد الدين، للعناية بها، فمن حافظ على الصلوات، كان جديرا بالوقوف عند حدود الله تعالى والعمل بشريعته، كما قال الله تعالى:
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة ٤٥/ ٢] وقد سبق بيان ذلك.
قال الإمام محمد عبده: وقد خطر لي وجه آخر: هو الذي يطّرد في أسلوب القرآن الخاص في مزج مقاصد القرآن بعضها ببعض، من عقائد وحكم ومواعظ وأحكام تعبديّة ومدنيّة وغيرها، وهو نفي السآمة عن القارئ والسامع من طول النوع الواحد منها، وتجديد نشاطهما وفهمهما واعتبارهما في الصلاة وغيرها (¬١).
التفسير والبيان:
على الذين يشرفون منكم على الموت، ويتركون زوجات بعدهم أن يوصوا لهنّ بوصية التّمتع المستمر في البيت إلى نهاية الحول، بدون إخراج منه أو منع السكنى فيه. فيكون للزوجة الأرملة النفقة من مال زوجها المتوفى مدّة سنة كاملة، ويجب على الورثة ألا يخرجوا المتوفى عنها زوجها ولا يمنعوا النفقة عنها قبل مضي السنة. وهل هذا الأمر أمر وجوب وإلزام أو أمر ندب واستحباب؟ قولان (¬٢):
١ - قول الجمهور: كانت عدّة الوفاة في أول الإسلام سنة كاملة، مجاراة لعادة العرب، ثم نسخت هذه الآية بآية المواريث في سورة النساء والآية المتقدمة المتأخرة في النزول: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة ٢٣٤/ ٢]، فصارت عدّة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام، بدل السّنة، وتأخذ حقّها المقرر في الميراث. أخرج ابن جرير الطبري عن همام بن يحيى قال: سألت قتادة عن قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ﴾ فقال: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها، كان لها السكنى والنفقة، حولا في مال زوجها، ما لم تخرج،