﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾؛ أي: يتمتَّعون به، فإن التعبير بالأكل عن مطلَق التمتُّع على طريقة العبارة (¬١) عن كلِّ وجوه الشيء بجلِّها شائع في الألسنة كلِّها.
كتب ﴿الرِّبَا﴾ بالواو على لغةِ مَن يفخِّم كما كُتب الصلاة والزكاة، وزيدت الألفُ بعدها تشبيهاً لها بواو الجمع لزيادة التفخيم، ومعناه لغةً: الزيادة المطلَقة، وشرعاً: الزيادة في القَدْر أو في الأجَلِ على الوجه المذكور في كتب الفقه.
﴿لَا يَقُومُونَ﴾ يوم القيام.
﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ﴾: إلا قياماً كقيام الذي يتخبَّطه المفسِدُ من الجنِّ، والخَبْط: الضربُ باليد كيف يقع، والرَّمْحُ بالرِّجل، والزَّبنُ بالرُّكبة، والتخبُّط: تكلُّف الخبط، والمراد: الزيادة فيه.
﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ يتعلق بـ ﴿يَقُومُ﴾، أو ﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾، والمسُّ: الجنون، يقال: مُسَّ - على ما لم يُسمَّ فاعلُه - فهو ممسوسٌ، كما يقال: جُن فهو مجنون.
والجنون قد يكون بضربِ الشياطين من الجن، ولذلك يُسمَّى (¬١) مجنوناً، وهو بتسليط اللّه تعالى إياهم على الناس كما يسلِّط عليهم بعضَ الدوابِّ والسباع، وله أن يفعل في مُلكه ما يشاء.
أي: لا يقوم آكل الربا عن قبره في يوم القيامة إلا كالذي ضربه الجنُّ فخبله فصار كالمصروع، فهو يقوم ويسقط ليس كسائر الناس؛ لأنهم يخرجون من الأجداث سراعا، وهذه عقوبة لهم بها يُعرفون يومئذ، وقد أثقل (¬٢) بطونهم ما (¬٣) أكلوه من الربا.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾؛ أي: ذلك العقاب بسببِ أنهم نظَموا الربا والبيعَ في سلكٍ واحد، وقاسوا أحدهما على الآخر، يعني: أن البيع يكون مثلَ الربا في اشتماله الفضلَ، ولو كان ذلك سبباً للحرمة لحرُم البيع، لكنه حلال فثبت أنه ليس بسبب للحرمة، فالربا ليس بحرام وشبهتُهم (¬٤) أن بيع السَّلَم وغيره قد يكون المشترَى فيه بدرهم يساوي درهمين، فيكون أزكى من الربا.
ومَن لم يتنبَّه لِمَا قرَّرناه زعم أنهم بالغوا في وصف اعتقادهم حلَّ الربا حتى جعلوه أصلاً في القياس، وشبَّهوا البيع به - مع أن الكلام في الربا، والبيعُ أصل في الحل - على طريقة قول الشاعر:
وبلدةٍ مغبرَّةٍ أرجاؤها … كأنَّ لون أرضها سماؤها (¬١)
بالَغَ في وصف السماء بالاغْبِرار حتى شبَّه الأرض بها، وفي التعبير عن اعتقادهم هذا بالقول ما لا يخفى من المبالغة في أنه لا حقيقة له أصلاً.
ثم أنكر تسويتَهم بينهما (¬٢) بقوله:
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وفيه دلالة على أنَّ القياس يهدمُه النصُّ، حيث نقل قياسهم وأبطله بمجرَّد القول المذكور من غير تعرُّضٍ لفساد القياس من حيث إن الفضل في الربا محقَّق وفي البيع متوهَّم.
وأما ما قيل: هو إبطال للقياس لمعارضته النصَّ، فيَرِدُ عليه أنهم قاسوا قبل ورود النصِّ الفارق بينهما، فلا معارضةَ وقتئذٍ.
﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ فمَن بلَغه وعظٌ من اللّه تعالى وزجرٌ بالنهي عن الربا، وفي عبارة الربِّ إيماءٌ إلى أنه تعالى يُربِّي عبدَه بفضله بلا توقّفٍ على كسبه، كيف وقد ربَّاه وهو جنين؟ فحقُّه أن لا يتجاوز في طلب المكسبِ عن حدِّ الرُّخصة.
﴿فَانْتَهَى﴾ فاتَّعَظ به وتَبعَ النَّهي.
﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾؛ أي: فلا يؤاخَذُ بما مضى منه، وله ما أَخَذ لأنَّه قَبْل نزولِ التحريم (¬٣).