العذاب، والسّراب، فإن جمعته قلت في الكثير: نهر-بضمتين-كسحاب، وسحب، وفي القليل: أنهر، وقال ابن فارس: النّهر معروف، والجمع: أنهر، وأنهار، ويقال: إنّ النهار يجمع على نهر، قال الشاعر: [الرجز]
والنّهار: من طلوع الفجر، أو: من طلوع الشمس على ما تقدّم في نهاية اللّيل إلى غروب الشمس، وقد يطلق عليهما اسم اليوم، كما تراه في الآية رقم [٢٠٣] هذا والليل يطلق على الحبارى، أو فرخها، وفرخ الكروان، والنّهار يطلق على فرخ القطا. انتهى. قاموس، وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر]
إذا شهر الصّيام إليك وافى... فكل ما شئت ليلا أو نهارا
الإعراب: الذين ينفقون أموالهم: انظر الآية رقم [٢٦٢]. ﴿بِاللَّيْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿وَالنَّهارِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿سِرًّا وَعَلانِيَةً:﴾ حال بمعنى مسرّين ومعلنين، قال أبو البقاء: وهما مصدران في موضع الحال، وقد أغرب البيضاوي-رحمه الله تعالى-في قوله:
وقيل: الفاء للعطف، والخبر محذوف؛ أي: ومنهم الذين، ولذلك جوّز الوقف على ﴿وَعَلانِيَةً،﴾ (لهم ﴿أَجْرُهُمْ..﴾.) إلخ: انظر الآية رقم [٢٦٢] ففيها الكفاية، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
الشرح: لمّا ذكر تعالى الأبرار المؤدّين النفقات، المخرجين الزّكوات، المتفضّلين بالبرّ، والصدقات لذوي الحاجات، والقرابات في جميع الأحوال، والأوقات، وحضّهم على أن يكون ما يتصدّقون به، من الكسب الطّيب؛ ذكر هنا ما يقابل ذلك، وهو الرّبا: الكسب الخبيث، الّذي هو شحّ، ودنس، بينما الصّدقة عطاء، وسماحة، وطهارة، يظهر الفارق بوضوح بين الكسب الطيب وثمرته، وبين الكسب الخبيث ونتيجته، فكما قيل: وبضدها تتميز الأشياء، فقال تعالى:
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ أي: الآخذون الرّبا، وإنّما ذكر الله الأكل؛ لأنه أعظم منافع المال؛ لأنّ المال لا يؤكل، إنّما يصرف في المأكول، ثمّ يؤكل، ولأنه دالّ على الجشع، وهو
أشد الحرص، ويلحق به اللباس، والكسوة، والادّخار، والإنفاق على العيال، وجميع منافعه.
والرّبا في اللغة: الزيادة، يقال: ربا الشّيء يربو: إذا زاد، وكثر، ونما، قال تعالى في سورة (الحجّ) رقم [٥]: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾. وفي الشرع: مقابلة عوض بآخر مجهول التّماثل في معيار الشّرع حالة العقد، أو مع تأخير في العوضين، أو أحدهما، وهو حرام قطعا بجميع أنواعه.
﴿لا يَقُومُونَ:﴾ يعني من قبورهم يوم القيامة، ﴿إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ﴾ أي:
يصرعه، وأصل الخبط: الضرب، والوطء على غير هدى، واستواء، يقال: ناقة خبوط، التي تضرب الأرض بقوائمها، وتطأ الناس بأخفافها، ومنه قولهم: يخبط خبط عشواء؛ للرّجل الذي يتصرّف في الأمور على غير اهتداء، وتمييز وتدبّر، قال زهير في معلّقته: [الطويل]
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب... تمته، ومن تخطئ يعمّر، فيهرم
﴿مِنَ الْمَسِّ:﴾ من الجنون، يقال: مسّ الرّجل، فهو ممسوس: إذا كان به جنون، قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصّرع من جهة الجنّ، وزعم: أنّه من فعل الطبائع، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان، ولا يكون منه مسّ.
وقد روى النّسائيّ عن أبي اليسر-﵁-قال: كان رسول الله ﷺ يدعو، فيقول:
«اللهمّ إنّي أعوذ بك من التردّي، والهدم، والغرق، والحريق، وأعوذ بك أن يتخبّطني الشّيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت مدبرا، وأعوذ بك أن أموت لديغا!» وعن أنس-﵁ عن النبي ﷺ: أنّه كان يقول: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من الجنون، والجذام، والبرص، وسيّئ الأسقام، والمسّ، والجنون!» رواه أبو داود.
وروي في حديث الإسراء: «فانطلق بي جبريل، فمررت برجال كثير، كلّ رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم، منضّدين على سابلة آل فرعون، وآل فرعون يعرضون على النار بكرة وعشيّا، فيقبلون مثل الإبل المهيومة، فيتخبّطون الحجارة، والشّجر، لا يسمعون، ولا يعقلون، فإذا أحسّ بهم أصحاب تلك البطون؛ قاموا، فتميل بهم بطونهم، فيصرعون، ثم يقوم أحدهم، فيميل به بطنه، فيصرع، فلا يستطيعون، براحا؛ حتى يغشاهم آل فرعون، فيطئونهم مقبلين، ومدبرين، فذلك عذابهم في البرزخ بين الدّنيا والآخرة، وآل فرعون يقولون: اللهم لا تقم السّاعة أبدا، فإنّ الله تعالى يقول: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ قلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون الرّبا ﴿لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ»﴾. أخرجه البغويّ بسند الثعلبي عن أبي سعيد الخدري-﵁.
(ذلك) أي: العذاب الذي نزل بهم بسبب قولهم في الدّنيا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ أي:
بالحلّ، والإباحة، وذلك: أنّ أهل الجاهلية، كان أحدهم إذا حل أجل دينه على غريمه يطالبه
به، فيقول الغريم لصاحب الحقّ: زدني في الأجل، حتّى أزيدك في المال، فيفعلان ذلك، وكانوا يقولون: سواء علينا الزيادة في أوّل البيع بالرّبح، أو عند المحلّ لأجل التأخير، فكذّبهم الله تعالى، وردّ عليهم بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾. هذا؛ ولم يقل: إنّما الرّبا مثل البيع، مع أن الكلام في الرّبا لا في البيع؛ لأنّه جيء به على طريقة المبالغة، ويسمّى التشبيه المقلوب، وهو أعلى مراتب التشبيه؛ حيث يجعل المشبّه مكان المشبّه به، والأصل في الآية أن يقال: الربا مثل البيع، ولكنّه بلغ من اعتقادهم في حل الرّبا أن جعلوه أصلا يقاس عليه، فشبهوا به البيع، والتشبيه المقلوب باب واسع من أبواب النّحو، انظر كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وخذ منه قول رؤبة بن العجّاج وهو الشاهد رقم [١١٨٧] منه: [الرجز]
ومهمه مغبرة أرجاؤه... كأنّ لون أرضه سماؤه
﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا:﴾ أي: وأحل الله لكم الأرباح في التّجارة بالبيع، والتجارة، وحرّم الرّبا الذي هو زيادة المال لأجل تأخير الأجل، وذلك لأنّ الله تعالى خلق الخلق فهم عبيده، وهو مالكهم يحكم فيهم بما شاء، ويستعبدهم بما يريد، وليس لأحد أن يعترض عليه في شيء ممّا أحلّ، أو حرّم، وإنما على كافة الخلق الطّاعة، والتسليم لحكمه، وأمره، ونهيه.
﴿فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: فمن بلغه وعظ من الله، وزجر بالنّهي عن الرّبا، وإنما ذكر الفعل؛ لأنّ الموعظة من المؤنث المجازي، ولأنّ الوعظ، والموعظة شيء واحد. ﴿فَانْتَهى:﴾
عن أكل الربا. ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ:﴾ تقدّم أخذه قبل التحريم، لا يسترد منه ما أخذه بعقد الربا.
﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ﴾ يعني: بعد النّهي، إن شاء عصمه؛ حتى يثبت على الانتهاء، وإن شاء خذله؛ حتى يعود إلى أكل الرّبا. وقيل: معناه: وأمره إلى الله فيما يأمره، وينهاه، ويحلّ له، ويحرم عليه، وليس له من أمر نفسه شيء، والمعنى في حق المسلم: فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه. ﴿وَمَنْ عادَ:﴾ إلى أكل الرّبا بعد التّحريم، والنّهي. ﴿فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ،﴾ والآية تفيد تخليد آكل الرّبا في النار، وهذا مع الاستحلال؛ لأنّهم بالاستحلال صاروا كافرين؛ لأن من أحلّ ما حرّم الله-﷿-فهو كافر، فلذا استحقّ الخلود، وبهذا تبيّن: أنّه لا تعلق للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفاسقين في النّار.
هذا وبين (﴿أَحَلَّ﴾) و (﴿حَرَّمَ﴾) طباق، وهو من المحسّنات البديعية؛ أما الحرام في الأصل فهو كلّ ممنوع، والحرمات كلّ ممنوع منك ممّا بينك وبين غيرك. وقولهم: لفلان بي حرمة؛ أي:
أنا ممتنع من مكروهه، وحرمة الرّجل محظورة به من غيره، وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ فالمحروم: هو الممنوع من المال، والتلذّذ به، والإحرام بالحجّ، والعمرة: هو المنع من أمور معروفة في الفقه الإسلاميّ.