والحساب من الله لعباده: أن يطلعهم على جميع أعمالهم، ثم يسألهم: لم فعلوها؟.
فقه الحياة أو الأحكام:
تتضمن الآية إنذارا وتخويفا شديدا من الحساب الإلهي، لكون الإنسان مملوكا لله، والله مطلع على كل أفعاله، محاسب له على جليل الأعمال وحقيرها، مما أدى إلى إيقاع الرهبة في النفوس والإشفاق عليها من شدة العذاب، وتفويض أمره مطلقا إلى الله وحده؛
أخرج أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال: لما نزل على رسول الله ﷺ: ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ، يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، فأتوا رسول الله ﷺ، ثم جثوا على الرّكب، فقالوا: أي رسول الله، كلّفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزل الله هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله ﷺ: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا، وإليك المصير؟». فلما قرأها القوم وذلّت (لانت) بها ألسنتهم، أنزل الله في إثرها:
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ.﴾. الآية. فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل الله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ الآية.
وظاهر قوله: «نسخها الله» يدل على نسخ هذه الآية بالآية التي بعدها وهي: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ.﴾. وقد فهم بعض المفسرين (¬١) من ذلك أن هذه الآية
منسوخة؛ لأنها تثبت الحساب على الوساوس وخواطر النفوس. والراجح أن الآية غير منسوخة، وأن المراد من قوله: «نسخها الله»: أزال ما أخافهم، وأن آية: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ ليست ناسخة، ولكنها موضحة، أيدها
الحديث الذي رواه الجماعة في كتبهم الستة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلّم أو تعمل»، وقد قال ابن عباس وعكرمة والشعبي ومجاهد: إن الآية محكمة مخصوصة، وهي في معنى الشهادة التي نهى الله عن كتمها، ثم أعلم في هذه الآية أن الكاتم لها المخفي ما في نفسه محاسب.
ويدل على منع القول بالنسخ الأدلة التالية:
١ - إن قوله تعالى: ﴿يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ خبر، والأخبار لا تنسخ عند جمهور الأصوليين.
٢ - إن كسب القلب وعمله مما دل الكتاب والسنة والإجماع والقياس على ثبوته والجزاء عليه، ظهر أثره على الجوارح أم لم يظهر، كقوله تعالى:
وأما قول الصحابة والتابعين بالنسخ فهو مما يتفق مع علو مرتبة هؤلاء وكمالهم، حتى إنهم ليجدون أن وسوسة النفس مما تخضع للحساب، وهم يريدون التطهر من كل آثار الإثم، لذا قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. فتحرجهم من باب كمال التزكية وتمام الطهاوة واعتقاد النقص في أنفسهم.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إما معطوف على ﴿الرَّسُولُ﴾ فكأنه قال: آمن الرسول والمؤمنون. وإما مبتدأ، و ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ ثان، و ﴿آمَنَ بِاللهِ﴾: خبره، والجملة من المبتدأ والخبر: خبر المبتدأ الأول. والعائد من الجملة إليه محذوف، وتقديره: كلهم آمن بالله. وقال: ﴿آمَنَ﴾: بالإفراد، ولم يقل: آمنوا بالجمع، حملا على لفظ كل. وأضيف ﴿بَيْنَ﴾ إلى ﴿أَحَدٍ﴾؛ لأن المراد به هاهنا الكثرة؛ لأن «أحدا» في سياق النفي يدل على الكثرة، كقوله تعالى: ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ.﴾.
ثم قال: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما﴾ [البقرة ١٠٢/ ٢]. إذ لا تجوز إضافة ﴿بَيْنَ﴾ إلى الواحد.