يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم، ولهذا قال: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾] [¬١]: وقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
قال محمد بن إسحاق: عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾: الذين من بعدهم إلى يوم القيامة (¬٤٥٨).
وقال الحسن وقتادة: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ بعدهم، فيتقون [¬٢] نقمة الله، ويحذرونها.
وقال السدي وعطية العوفي: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: أمة محمد ﷺ.
(قلت): المراد بالموعظة هاهنا الزاجر، أي: جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله وما تحيلوا به من الحيل؛ فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم، كما قال الإمام أبو عبد الله [ابن بطة] [¬٣]: حدَّثنا أحمد بن محمد بن مسلم [¬٤]، حدَّثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، حدَّثنا يزيد بن هارون، حدَّثنا محمد بن عمرو، [عن أبي سلمة] عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا ترتكبوا [¬٥]، ما ارتكب اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" (¬٤٥٩).
وهذا إسناد جيد، وأحمد بن محمد بن مسلم هذا وَثَّقه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح، والله أعلم.
يقول تعالى: واذكروا -يا بني إسرائيل- نعمتي عليكم في خرق العادة لكم في شأن البقرة، وييان القاتل من هو بسببها، وإحياء الله المقتول، ونصِه على من قتله منهم.
الإبلُ تنحر، والغنم تذبح، واختلفوا في البقر، فقيل: تذبح، وقيل: تنحر، والذبح أولى لنص القرآن ولقرب منحرها من مذبحها.
قال ابن المنذر: ولا أعلم خلاقًا في حل ما ذبح مما ينحر، أو نحر ما يذبح، غير أن مالكًا كره ذلك. وقد يكره الإنسانُ ما لا يحرمه.
قال أبو عبد الله وكان نزول قصة البقرة على موسى ﵇ في أمر القتيل قبل نزول القسامة في التوراة].
[(ذكر بسط القصة)] [¬١]
[كما] [¬٢] قال ابن أبي حاتم: [] [¬٣] حدَّثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدَّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا [¬٤] هشام بن حَسَّان، عن محمد بن سيرين، عن عَبِيدة السلماني، قال: كان رجل من بني إسرائيل عقيمًا لايولد له، وكان له مال كثير، وكان ابنُ أخيه وارثَه فقتله، ثم احتمله ليلًا فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبحَ يَدعيه عليهم حتى تسلحوا، وركب بعضهم إلى بعض. فقال ذوو الرأي منهم [¬٥] والنهى: علام يقتل بعضكم بعضًا وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى ﵇ فذكروا ذلك له، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. قال: قالولم [¬٦] يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شدّدوا فشدد عليهم، حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها، فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها، فقال: والله لا أنقصها من مِلء جلدها ذهبًا، فأخذوها بملء جلدها ذهبًا فذبحوها، فضربوه ببعضها فقام، فقالوا: من قتلك؟ فقال: هذا -لابن أخيه- ثم مال ميتًا، فلم يُعْطَ من ماله شيئًا [¬٧]؛ فلم يُوَرَّث قاتل بعد.
ورواه ابن جرير (¬٤٦٠) من حديث أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، بنحو من ذلك، والله أعلم.
ورواه [عبد بن حميد] [¬١] في تفسيره أنبأنا [¬٢] يزيد بن هارون. به.
ورواه آدم بن أبي إياس في تفسيره عن أبي جعفر -هو الرازي [¬٣]- عن هشام بن حسان، به.
وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره: أنبأنا [¬٤] أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قال: و [¬٥] كان رجل من بني إسرائيل، وكان غنيًّا، ولم يكن له ولد، وكان له قريب وكان وارثه، فقتله؛ ليرثه، ثم ألقاه على مجمع الطريق، وأتى موسى ﵇ فقال له: إن قريبي قُتل، وأتى إلى أمر عظيم، وإني لا أجد أحدًا يبن لي من قتله غيرك يا نبي اللَّه؛ قال: فنادى موسى في الناس فقال: أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا بينه لنا، فلم يكن عندهم علم، فأقبل القاتل على موسى ﵇ فقال له: أنت نبي الله فسل [¬٦] لنا ربك أن يبين لنا، فسأل ربه فأوحى اللَّه إليه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. فعجبوا من ذلك، فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا [¬٧] قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ﴾. يعني: لا هَرِمة ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾. يعني: ولا صغيرة ﴿عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ﴾. أي: نصفٌ بين البكر والهرمة ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. [أي: صاف لونها] [¬٨] ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. أي: تعجب الناظرين ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَينَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾. أي: لم يذللها [¬٩] العمل ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾. يعني: وليست بذلول تثير الأرض، ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾. يعني [¬١٠]: ولا تعمل في الحرث ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. يعني: مسلمة من العيوب ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. يقول: لابياض فيها ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. قال: ولو أن القوم حين أمروا بذبح [¬١١] بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها، ولكن [¬١٢] شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم، ولولا أنّ القوم استثنوا فقالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. لما هدوا إليها أبدًا، فبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التي نعتت لهم إلا عند عجوز و [¬١٣] عندها يتامى، وهي القَيِّمَة عليهم، فلما علمت أنه [¬١٤] لا يزكو [¬١٥] لهم غيرها، أضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة، وأنها سألتهم أضعاف