فَكَّ الْأُسَارَى وَأَمَرَ بِفَكِّهِمْ، وَجَرَى بِذَلِكَ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ وَانْعَقَدَ بِهِ الْإِجْمَاعُ. وَيَجِبُ فَكُّ الْأُسَارَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ فَرْضٌ عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ قَامَ بِهِ مِنْهُمْ أَسْقَطَ الْفَرْضَ عَنِ الْبَاقِينَ. وَسَيَأْتِي «١». الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا" ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. وَالْخِزْيُ الْهَوَانُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَخَزِيَ- بِالْكَسْرِ- يَخْزَى خِزْيًا إِذَا ذَلَّ وَهَانَ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: وَقَعَ فِي بَلِيَّةٍ. وَأَخْزَاهُ اللَّهُ، وَخَزِيَ أَيْضًا يَخْزَى خِزَايَةً إِذَا اسْتَحْيَا، فَهُوَ خَزْيَانُ. وَقَوْمٌ خَزَايَا وَامْرَأَةٌ خَزْيَا. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ"" يُرَدُّونَ" بِالْيَاءِ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ" تُرَدُّونَ" بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ." إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ" تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ «٢» وَكَذَلِكَ:" أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا" الآية «٣»، فلا معنى للإعادة." يَوْمَ" منصوب ب" يُرَدُّونَ".
[سورة البقرة (٢): آية ٨٧]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لَا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (٨٧)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ" يَعْنِي التَّوْرَاةَ." وَقَفَّيْنا" أَيْ أَتْبَعْنَا. وَالتَّقْفِيَةُ: الْإِتْبَاعُ وَالْإِرْدَافُ، مَأْخُوذٌ مِنْ إِتْبَاعِ الْقَفَا وَهُوَ مُؤَخَّرُ الْعُنُقِ. تَقُولُ اسْتَقْفَيْتُهُ إِذَا جِئْتَ مِنْ خَلْفِهِ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ قَافِيَةُ الشِّعْرِ، لِأَنَّهَا تَتْلُو سَائِرَ الْكَلَامِ. وَالْقَافِيَةُ: الْقَفَا، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: (يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ). وَالْقَفِيُّ وَالْقَفَاوَةُ: مَا يُدَّخَرُ مِنَ اللَّبَنِ وَغَيْرِهِ لِمَنْ تُرِيدُ إِكْرَامَهُ. وَقَفَوْتُ الرَّجُلَ: قَذَفْتَهُ بِفُجُورٍ. وَفُلَانٌ قِفْوَتِي أَيْ تُهَمَتِي. وَقِفْوَتِي أَيْ خِيرَتِي. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ كَأَنَّهُ مِنَ الْأَضْدَادِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ مِثْلَ قوله تعالى:" ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا «٤» ". وَكُلُّ رَسُولٍ جَاءَ بَعْدَ مُوسَى فَإِنَّمَا جَاءَ بإثبات التوراة والامر
Juz 2, halaman 23 ›
بِلُزُومِهَا إِلَى عِيسَى ﵇. وَيُقَالُ: رُسُلٌ وَرُسْلٌ لُغَتَانِ، الْأُولَى لُغَةُ الْحِجَازِ، وَالثَّانِيَةُ لُغَةُ تَمِيمٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُضَافًا أَوْ غَيْرَ مُضَافٍ. وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو يُخَفِّفُ إِذَا أَضَافَ إِلَى حَرْفَيْنِ، وَيُثَقِّلُ إِذَا أَضَافَ إِلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ" أَيِ الْحُجَجَ وَالدَّلَالَاتِ، وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي" آلِ عِمْرَانَ" وَ" الْمَائِدَةَ" «١»، قَالَهُ ابْنُ عباس." أَيَّدْناهُ" أَيْ قَوَّيْنَاهُ. وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ" آيَدْنَاهُ" بِالْمَدِّ، وَهُمَا لُغَتَانِ." بِرُوحِ الْقُدُسِ" رَوَى أَبُو مَالِكٍ وَأَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَا: جِبْرِيلُ ﵇. وَقَالَ حَسَّانُ:
وَجِبْرِيلُ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا ... وَرُوحُ الْقُدُسِ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ
قَالَ النَّحَّاسُ: وَسُمِّيَ جِبْرِيلُ رُوحًا وَأُضِيفَ إِلَى الْقُدُسِ، لِأَنَّهُ كَانَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ ﷿ لَهُ رُوحًا مِنْ غَيْرِ وِلَادَةِ وَالِدٍ وَلَدَهُ، وَكَذَلِكَ سُمِّيَ عِيسَى رُوحًا لِهَذَا. وَرَوَى غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْقُدُسُ هُوَ اللَّهُ ﷿. وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ: الْقُدُسُ هُوَ اللَّهُ، وَرُوحُهُ جِبْرِيلُ. وَرَوَى أَبُو رَوْقٍ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:" بِرُوحِ الْقُدُسِ" قَالَ: هُوَ الِاسْمُ الَّذِي كَانَ يُحْيِي بِهِ عِيسَى الْمَوْتَى، وَقَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَهُوَ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ الْإِنْجِيلُ، سَمَّاهُ رُوحًا كَمَا سَمَّى اللَّهُ الْقُرْآنَ رُوحًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا «٢» ". وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَالْقُدُسُ: الطَّهَارَةُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ «٣». قَوْلُهُ تَعَالَى:" أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لَا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ" أَيْ بِمَا لَا يُوَافِقُهَا وَيُلَائِمُهَا، وَحُذِفَتِ الْهَاءُ لِطُولِ الِاسْمِ، أَيْ بِمَا لَا تَهْوَاهُ." اسْتَكْبَرْتُمْ" عَنْ إِجَابَتِهِ احْتِقَارًا لِلرُّسُلِ، وَاسْتِبْعَادًا لِلرِّسَالَةِ. وَأَصْلُ الْهَوَى الْمَيْلُ إلى الشيء، وبجمع أَهْوَاءً، كَمَا جَاءَ فِي التَّنْزِيلِ، وَلَا يُجْمَعُ أَهْوِيَةً، عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا فِي نَدًى أَنْدِيَةٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:
فِي لَيْلَةٍ مِنْ جُمَادَى ذَاتِ أَنْدِيَةٍ ... لَا يُبْصِرُ الْكَلْبُ فِي ظَلْمَائِهَا الطنبا «٤»
Juz 2, halaman 24 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.