﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾؛ أي: جئنا مِن بعدِه بالرسل مُقْتَفِين أثرَه، متَّبعين شريعتَه، يقال: قَفَاه: إذا اتَّبعه من القفا، نحو: ذَنَبه، من الذَّنَب، وقفَّاه به: أَتْبعه إياه، ولولا اعتبارُ معنى (جئنا) على التضمين لضاع قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾.
﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ لمَّا لم يكن عيسى ﵇ من جملةِ المقتَفين أثرَ موسى ﵇، المتَّبعين شريعتَه، أفردَه بالذكر، وأضافه إلى أمِّه تحقيقًا لعدم نسبته إلى الأب، وفيه رد لقول اليهود حيث نسبوه إلى الأب.
وعيسى بالعبرية: إيشوع.
ومريم بالسُّريانية: الخادم، وقد جعلتْها أمُّها محرَّرةً لخدمة المسجد، وبالعبرية كالزير من الرجال (¬١).
وقال أبو البقاء: (مريمُ) علَمٌ عجَمي، ولو كان مشتقًّا مِن رامَ يَريم كان مَرِيمًا بفتح الميم وسكون الياء، وقد جاء في الأعلام بفتحِ الياء نحو: مَزْيَد، وهو خلاف القياس (¬٢).
﴿الْبَيِّنَاتِ﴾: الآياتِ الظاهرات (¬١)، من قولك: بان؛ أي: ظهر، وما ثبت به الدَّعوى من حيث إفادتُه البيان يسمَّى بيِّنة، ومن حيث الغلبة به على الخصم حجة.
﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ جبريل ﵇، وذلك أنه تَوَلَّد بنَفْخهِ، وأنَّه عصَمه مِن أول حالهِ إلى آخره، فلم يَدْنُ منه الشيطان عند الولادة، ورفَعه إلى السماء حين قصد اليهود قتلَه.
والقُدُس: الطَّهارة، وكان الأصل: الرَّوح المقدَّسة، لكن أُضيف الروحُ إلى القُدُس تنبيهًا على زيادةِ اختصاص الروح به؛ لأن مِن شأن الصفة أن تكون منسوبةً (¬٤) إلى الموصوف فإذا عكس بإضافته إليها يزيد معنى الاختصاص.
﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ﴾ بما لا تحبُّه، يقال: هَوِيَ - بالكسر - هوًى: إذا أَحبَّ، وهَوَى - بالفتح - هُوِيًّا بالضم: سقط، وإنما أُسند الهوى إلى الأنفس لا إلى ضمير الخطاب إشعارًا بأن حق السيئات أن تُسند إليها.
وقوله: (كلما جاءكم) مسبَّب عن قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ولهذا دخلت الفاعلية على تقدير: نحن أنعمنا عليكم ببعثة موسى ﵇، وإيتائه
الكتاب، ثم أتبعناه الرسلَ، وبإيتاء عيسى ﵇ [البينات]؛ لتشكروا تلك النعم بالتلقِّي بالقبول، فعكستُم بأن كذَّبتم فريقًا وقصدتُم قتلَ آخرين، ثم أَدخل بين السبب والمسبَّب همزةَ التوبيخ والتعجيب لتعكيسهم فيما يجب عليهم.
ويجوز أن يكون استئنافًا والفاءُ للعطف على مقدَّر، فعلى هذا ما عقبوا الإيتاء محذوف، وهو قوله: ففعلتم ما فعلتم، وهو كناية عن التكذيب والقتل، وغير ذلك من قبائحهم وعنادهم، ثم استأنف الكلام موبخًا لهم مصدِّرًا الجملة بهمزةِ الإنكار، على تقدير: أكفرتم وخالفتم فكلما جاءكم رسول، ويرجح هذا أنه حينئذ بين التقريع والتوبيخ إجمالًا وتفصيلًا (¬١).
﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾؛ أي: عن قبول ما أتى به مما لا تحبُّه أنفسكم - على تضمين الاستكبار معنى الإباء - لا عن الإيمان به؛ لأنهم كانوا مصدِّقين بعضَ مَن (¬٢) جاء من بعد موسى ﵇ من الرسل؛ كيوشع وداود وسليمان ﵈ (¬٣).
﴿فَفَرِيقًا﴾؛ أي: فريقًا منهم ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ يريد به التكذيبَ من غير قتلٍ، بقرينةِ تفريق هذا عن قرينهِ، وإلا فمطلَقُ التكذيب ينتظمُها (¬٤)، والفاء للسببية أو التعقيب.
﴿تَقْتُلُونَ﴾؛ أي: فريقًا آخر.
﴿تَقْتُلُونَ﴾ حالٌ ماضيةٌ أُريد استحضارها وتصويرُها لشدة فظاعتها ونُكْرها، فأخرجها مُخرج الحال المشاهَدة، أو قُصد الدلالةُ على أنهم بعدُ فيه؛ لأنهم كانوا