يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار
وما أحسن قول الشّافعي-﵁: [الطويل]
وما هي إلاّ جيفة مستحيلة... عليها كلاب همّهنّ اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها... وإن تجتذبها نازعتك كلابها
الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ.
﴿اِشْتَرَوُا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع الواو التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْحَياةَ:﴾ مفعول به. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة الحياة منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الحياة الدّنيا. التقدير: مستبدلة بالآخرة، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿اِشْتَرَوُا:﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لا):
﴿الْعَذابُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها مثلها. وقال الجمل في مثلها: معطوفة على جملة الصّلة. هذا؛ وقد قال النسفي: وقيل:
﴿الَّذِينَ﴾ صفة ﴿أُولئِكَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أُولئِكَ،﴾ وعليه فالفاء صلة.
وقيل: الجملة الفعلية: ﴿فَلا يُخَفَّفُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، وتكون الفاء زائدة أيضا. ﴿وَلا:﴾ الواو حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية مهملة. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُنْصَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وهو أقوى من اعتبار الحالية فيها.
ياء. لوقوعها رابعة، واشتقاقه من: قفوته، إذا اتّبعت قفاه، ثم اتّسع فيه، فأطلق على كل تابع، وإن بعد زمان التابع من زمان المتبوع. والقفا: مؤخر العنق، ويقال له: القافية أيضا، ومنه قول النبي ﷺ: «يعقد الشّيطان على قافية أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد». رواه الشّيخان، وغيرهما.
ومنه قافية الشّعر، وهي آخر حرف من البيت، سمّيت بذلك؛ لأنها تتلو، وتتبع ما قبلها من أبيات. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة الحديد رقم [٢٧]: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾.
﴿وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ:﴾ الحجج، والمعجزات، وهي إبراء الأكمه، والأبرص وإحياء الميّت، وغير ذلك، ممّا ذكر في: (آل عمران) و (المائدة)، ﴿وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ:﴾
وقويناه بجبريل ﵊، رواه أبو مالك، وأبو صالح عن ابن عباس-﵄-ومعمر بن قتادة، وقال حسّان-﵁: [الوافر]
وجبريل رسول الله فينا... وروح القدس ليس به خفاء
قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: إنّما سمّي جبريل روح القدس؛ لأن القدس هو الله، وروحه: بجبريل، فالإضافة للتّشريف، وقال الرازي-رحمه الله تعالى-: وما يدل على أن روح الله القدس بجبريل قوله تعالى في سورة (النّحل): ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾.
وقال النّحاس: سمّي جبريل روحا، وأضيف إلى القدس؛ لأنه كان بتكوين الله ﷿ له روحا من غير ولادة والد ولده، وكذلك سمي عيسى روحا لهذا، هذا؛ والقدس: الطهر، هذا؛ وعيسى مأخوذ من العيس، وهو بياض يخالطه شقرة، قاله أبو البقاء.
﴿أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ:﴾ لا يوافق هواكم، ويلائمه. استكبرتم: عن إجابته، واتباعه، والأخذ بتعاليمه. انظر الآية رقم [٩١] الآتية: ﴿فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ:﴾ فكان ممّن كذبوه عيسى، ومحمّد عليهما ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ:﴾ وممن قتلوه يحيى، وزكريا، وغيرهما، هذا؛ والتّعبير بالمضارع بقوله تعالى: ﴿وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ لم يقل: قتلتم كما قال: ﴿كَذَّبْتُمْ؛﴾ لأنّ المضارع كما هو المألوف في أساليب البلاغة يستعمل في الأفعال الماضية التي بلغت من الفظاعة مبلغا عظيما، وكأنه أحضر صورة قتل الأنبياء أمام السّامع، وجعله ينظر إليها بعينه، فيكون إنكاره لها أبلغ، واستفظاعه لها أعظم، ومنه قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٦٣]: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ فعبّر بالماضي، ثم قال: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ فعدل عنه إلى المضارع لتصوير اخضرارها في النفس، وعليه قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي-﵁، يصور شجاعته، وجرأته: [الوافر]
هذا؛ و ﴿تَهْوى﴾ فعل مضارع، بمعنى تحبّ، وترغب فيه، والاسم منه: «هوى» يقصر، ويمد، والمراد بالأول الحب، والعشق، والغرام، وهو أيضا محبّة الإنسان للشيء، وغلبته على قلبه، قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٤٣]: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ وقد نهى الله عنه بقوله: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى﴾ ومدح من يخافه، ويخشاه بقوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ أي: نهاها عن شهواتها، وما تدعو إليه من معاصي الله تعالى، ويراد بالممدود: ما بين السماء والأرض، وقد جاء الهوى بمعنى العشق ممدودا في الشعر، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
وهان على أسماء إن شطّت النّوى... نحنّ إليها والهواء يتوق
وإليك هذين البيتين فإنهما من النكت الحسان: [الكامل]
جمع الهواء مع الهوى في مهجتي... فتكاملت في أضلعي ناران
فقصرت بالممدود عن نيل المنى... ومددت بالمقصور في أكفاني
وقال أبو عبيدة-رحمه الله تعالى-: لم نجد الهوى يوضع إلا موضع الشر، ويروى عن ابن عباس أيضا: أنه لا يقال: فلان يهوى الخير، بل يقال: فلان يحبّ الخير، وهذا في الغالب، والآية الكريمة من ذلك، وقد يستعمل في الخير، والحق، ومنه قول عمر-﵁-في أسارى بدر: فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت. وقالت عائشة للنبي ﷺ في صحيح الحديث: «والله ما أرى ربّك إلاّ يسارع في هواك». أخرجهما مسلم. هذا؛ وجمع الممدود: أهوية، وجمع المقصور: أهواء.
وقال الشّعبي: إنّما سمّي الهوى هوى؛ لأنه يهوي بصاحبه إلى النار. وقال عبد الله بن عمر ﵄. عن النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تبعا لما جئت به». وقال أبو أمامة-﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما عبد تحت السّماء إله أبغض إلى الله من الهوى». والأحاديث في ذلك كثيرة، وقال الأصمعي رحمه الله تعالى: سمعت رجلا يقول: [الكامل]
إنّ الهوان هو الهوى قلب اسمه... فإذا هويت فقد لقيت هوانا
وسئل ابن المقفّع عن الهوى، فقال: هوان سرقت نونه، فأخذه شاعر، فنظمه، فقال: [الكامل]
نون الهوان من الهوى مسروقة... فإذا هويت فقد لقيت هوانا
وللعلماء، وللشعراء في هذا الباب في ذمّ الهوى، ومخالفته كتب، ومصنفات، وأبواب كثيرة، أشرنا إلى ما فيه كفاية منه، والله وليّ التوفيق.
تنبيه-بل فائدة-: ﴿مَرْيَمَ﴾ بالعبرية بمعنى الخادم، ثمّ سمّي به كثير من الناس، و (مريم) في لسان العرب: هي التي تكره مخالطة الرّجال. ولم تذكر امرأة باسمها صريحا في القرآن الكريم إلا مريم بنت عمران، وقد ذكرت فيه في ثلاثين موضعا.