﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً (٢٣)﴾
الشرح: ﴿وَقَضى رَبُّكَ:﴾ أمر وألزم وأوجب. وانظر الآية رقم [٤] وقرئ: «(وصّى)» و «(أوصى أن لا تعبدوا إلا إياه)». ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً:﴾ أمر الله سبحانه بعبادته، وتوحيده، وجعل بر الوالدين مقرونا بذلك، كما قرن شكرهما بشكره، فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ ﴿إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما:﴾ أو كلاهما: خص حالة الكبر؛ لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره لتغير الحال عليهما بالضعف، والكبر، فألزم في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر ممّا ألزمه من قبل؛ لأنهما في هذه الحالة قد صارا كلاّ عليه، فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليا منه، فذلك خصّ هذه الحالة بالذكر.
﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ أي: لا تقل لهما ما يكون فيه أدنى تبرم، وعن أبي رجاء العطارديّ قال: الأفّ: الكلام والقذع الرديء الخفي. وقال مجاهد: معناه: إذا رأيت منهما في حال الشيخوخة الغائط والبول الذي رأياه منك في الصغر، فلا تقذرهما، وتقول: أف. وقال بعضهم: معنى: ﴿أُفٍّ:﴾ الاحتقار، والاستقلال، أخذ من الأفف، وهو القليل، وروي من حديث عليّ-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «لو علم الله من العقوق شيئا أردأ من (أفّ) لذكره، فليعمل البارّ ما شاء أن يعمل؛ فلن يدخل النّار، وليعمل العاقّ ما شاء أن يعمل؛ فلن يدخل الجنّة».
﴿وَلا تَنْهَرْهُما:﴾ النهر: الزجر، والغلظة. ﴿وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً﴾ أي: لينا لطيفا، مثل:
يا أبتاه، ويا أماه من غير أن يسمّيهما، ويكنيهما. هذا؛ والمراد: بالوالدين: الأب، والأم، ففيه تغليب الأب على الأم. وأيضا في لفظ (الأبوين) تغليب، وفيه إشعار بتفضيل الأب على الأم، والذكر على الأنثى. هذا؛ ويقرأ: «(يبلغانّ)» بتشديد النون المكسورة، وقرئ: (أف) بقراءات كثيرة.
قال أبو البقاء العكبري-رحمه الله تعالى-فمن كسر؛ بناه على الأصل، ومن فتح؛ طلب التخفيف، مثل: رب، ومن ضم؛ أتبع، ومن نون؛ أراد التنكير، ومن لم ينون؛ أراد التعريف، ومن خفف الفاء؛ حذف أحد المثلين. وانظر شرح (أحد) في الآية رقم [٣٢] من سورة (الكهف)، وشرح ﴿كِلْتَا﴾ في الآية التالية لها منها أيضا، وكذا شرح كلا.
الإعراب: ﴿وَقَضى:﴾ الواو: حرف استئناف. (قضى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَلاّ:﴾ (أن) حرف تفسير. (لا): ناهية. ﴿تَعْبُدُوا:﴾ مجزوم ب: (لا) الناهية، هذا؛ أو هي حرف مصدري ونصب، و (لا) نافية والفعل منصوب ب: (أن)،
Juz 5, halaman 320 ›
وأجيز اعتبار (أن) مخففة من الثقيلة، والفعل مجزوم ب: (لا)، وعلامة النصب، أو الجزم حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. فعلى اعتبار (أن) مفسرة فالجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها تفسير ل: (قضى)، وعلى اعتبارها مخففة فالجملة في محل رفع خبرها، واسمها ضمير الشأن محذوف، وتؤوّل مع اسمها وخبرها بمصدر، كما تؤوّل على اعتبارها حرفا ناصبا بمصدر، والمصدر على التأويليين في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: قضى ربك بعدم عبادة غيره. ﴿أَلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿إِيّاهُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به. ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ:﴾ متعلقان بفعل محذوف التقدير: وأن تحسنوا بالوالدين، وهما في محل مفعول به، وعلامة الجر بالياء؛ لأنه مثنى.. إلخ، ﴿إِحْساناً:﴾
مفعول مطلق، والمصدر المؤول من «أن تحسنوا» معطوف على سابقه.
﴿إِمّا:﴾ أصلها: (إن ما) إن الشرطية مدغمة في (ما) الزائدة. ﴿يَبْلُغَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم فعل الشرط، وعلى قراءة «(يبلغانّ)» فهو مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والألف فاعله، والنون حرف لا محل له.
﴿عِنْدَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْكِبَرَ:﴾
مفعول به. ﴿أَحَدُهُما:﴾ فاعل على القراءة الأولى، وبدل من ألف الاثنين على القراءة الثانية.
وقيل: فاعل بفعل محذوف، وبعضهم يعتبر الألف حرفا دالا على التثنية، و ﴿أَحَدُهُما﴾ هو الفاعل، والمعتمد الأول: من الأوجه الثلاثة، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿كِلاهُما:﴾ معطوف على ما قبله مرفوع مثله، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بالمثنى، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، وقل فيما يأتي مثل ذلك، وجملة: ﴿يَبْلُغَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.
﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية. ﴿تَقُلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَهُما:﴾ متعلقان به. ﴿أُفٍّ:﴾ اسم فعل مضارع مبني على الكسر. وانظر، أوجه القراءات. وقيل: هو اسم بمعنى: تبّا، أو قبحا، والمعتمد الأول، وفاعله مستتر تقديره: «أنا»؛ لأنه بمعنى: أتضجر، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَلا تَقُلْ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، وجملة: ﴿وَلا تَنْهَرْهُما﴾ معطوفة على جواب الشرط، ﴿وَقُلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): أمر وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَهُما:﴾ متعلقان به. ﴿قَوْلاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿كَرِيماً:﴾ صفة له، وجملة: ﴿وَقُلْ..﴾. إلخ معطوفة على جواب الشرط أيضا.
Juz 5, halaman 321 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.