وقوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ لا تتم العبادة إلَّا بالخوف والرجاء، فبالخوف ينكف عن المناهي، وبالرجاء ينبعث على الطاعات.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾، أي: ينبغي أن يحذر منه، ويخاف من وقوعه وحصوله، عياذًا بالله منه.
﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨)﴾
هذا إخبار من الله ﷿ بأنه قد حتم وقضى بما قد كتبه عنده في اللوح المحفوظ: أنَّه ما من قرية إلَّا سيهلكها بأن يبيد أهلها جميعهم أو يعذبهم ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾، إما بقتل أو ابتلاء بما يشاء، وإنَّما، لكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم، كما قال تعالى عن الأمم الماضين: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ وقال تعالى: [﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا] [¬١] فَذَاقَتْ وَبَال أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾.
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَينَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلا تَخْويفًا (٥٩)﴾
قال سنيد (¬٢٠٠): عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بين جبير، قال: قال المشركون: يا محمَّد، إنك تزعم أنَّه كان قبلك أنبياء؛ فمنهم من سُخّرت له الرِّيح، ومنهم من كان يحيى الموتى، فإن سَرّك أن نؤمن بك ونصدقك فادع ربك أن يكون لنا الصفا ذهبًا. فأوحى الله إليه: أن [¬٢] قد سمعت الذي قالوا، فإن شئت أن نفعل الذي قالوا، فإن لم يؤمنوا نزل العذاب؛ فإنه ليس بعد نزول الآية مناظرة، وإن شئت أن نستأني [¬٣] بقومك استأنيت بهم. قال: "يارب، استأن بهم". وكذا قال قتادة، وابن جريج، وغيرهما.
Juz 9, halaman 33 ›
قال الإمام أحمد (¬٢٠١): حدَّثنا عثمان بن محمَّد، حدَّثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعوا، فقيل له: أن شئت أن نستأني بهم، لأنّ شئت أن نؤتيهم الذي سألوا؛ فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من كان [¬١] قبلهم من الأمم. قال: "لا، بل استأن بهم". وأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَينَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾. ورواه النَّسائيّ [من حديث] [¬٢] جرير، به.
وقال الإمام أحمد (¬٢٠٢): حدَّثنا عبد الرحمن، حدَّثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن عمران بن الحكم، عن ابن عباس قال: قالت قريش للنبي ﷺ: ادع لنا ربك أن [¬٣] يجعل لنا الصفا ذهبًا ونؤمن بك. قال: "وتفعلون؟ " قالوا: نعم، قال: فدعا فأتاه جبريل، فقال: أن ربك يقرأ عليك السَّلام، ويقول لك: أن شئت أصبح الصفا لهم ذهبًا، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب [¬٤] التوبة والرحمة. فقال: "بل باب التوبة والرحمة".
وقال الحافظ أبو بعلى في مسنده (¬٢٠٣): حدَّثنا محمَّد بن إسماعيل بن علي الأنصاري، حدَّثنا خلف بن تميم المصيصي، عن عبد الجبار بن عمر الأيلي، عن عبد الله بن عطاء بن
Juz 9, halaman 34 ›
إبراهيم، عن جدته أم عطاء مولاة الزُّبير بن العوام قالت: سمعت الزُّبير يقول: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صاح رسول الله ﷺ على أبي قبيس (*): "يا آل عبد مناف؛ إنِّي نذير". فجاءته قريش فحذرهم، وأنذرهم، فقالوا: تزعم أنك نبي يوحى إليك، وأن سليمان سخر له الرِّيح والجبال، وإن موسى سخر له البحر، وأن عيسى كان يحيى الموتى، فادع الله أن يسير عنا هذه الجبال، ويفجر لنا الأرض أنهارًا، فنتخذها محارث فنزرع ونأكل، وإلا فادع الله أن يحيى لنا موتانا فنكلمهم ويكلمونا، وإلا فادع الله أن يصير لنا هذه الصخرة التي تحتك ذهبًا فننحت منها، وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنك تزعم أنك كهيئتهم. قال: فبينا نحن حوله إذ نزل عليه الوحي، فلما سُرِّي عنه قال: "والذي نفسي بيده، لقد أعطاني ما سألتم، ولو شئت لكان، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة فلا يؤمن منكم أحد، فاخترت باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وأخبرني أنَّه إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم أنَّه يعذبكم عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين". ونزلت: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾، [حتَّى قرأ] [¬١] ثلاث آيات، ونزلت ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ … الآية.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾، أي: نبعث الآيات ونأتى بها على ما سأل قومك منك؛ فإنَّه سهل علينا يسير لدينا، إلَّا أنَّه قد كذب بها الأولون بعد ما سألوها، وجرت سنتنا فيهم، وفي أمثالهم أنهم لا يؤخرون إذا [¬٢] كذبوا بها بعد نزولها، كما قال الله تعالى في المائدة: ﴿قَال اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ﴾، وقال تعالى عن ثمود حين سألوا آية -ناقة تخرج من صخرة عيَّنوها- فدعا صالح ﵇ ربه فأخرج له منها ناقة على ما سألوا، ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾، أي: كفروا بمن خلقها وكذبوا رسوله [عقروا الناقة] [¬٣] فقال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيرُ مَكْذُوبٍ﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿وَآتَينَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ أي: دالة على وحدانية من خلقها، وصدق الرسول الذي أجيب دعاؤه فيها، ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾، أي: كفروا بها ومنعوها [¬٤] شربها وقتلوها، فأبادهم الله
Juz 9, halaman 35 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.