﴿مِنْ خَيْرٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ما. ﴿فَقِيرٌ:﴾ خبر (إنّ)، والكلام: ﴿رَبِّ إِنِّي..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.
﴿فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٢٥)﴾
الشرح: روي: أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس مبكرتين، وأغنامهما حفل بالماء، قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحا، رحمنا، فسقى لنا، وقصّا عليه القصة، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي، وهو قوله تعالى: ﴿فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ﴾. قيل:
هي الكبرى، واسمها صفوراء. وقيل: صفراء. وقيل: بل هي الصغرى، واسمها: ليا. وقيل:
صفيراء، وقال عمر بن الخطاب-﵁: ليست بسلفع من النساء، خرّاجة، ولّاجة، ولكن جاءت مستترة، قد وضعت كمّ درعها على وجهها استحياء.
والاستحياء، والحياء-بالمد-: الحشمة، والانقباض، والانزواء. يقال: استحيت-بياء واحدة، وبياءين-، ويتعدى بنفسه، وبالحرف، يقال: استحييته، واستحيت منه. والحياء: ملكة تمنع الإنسان من ارتكاب الرذائل. والحياء خير ما يتحلى به إنسان، فإذا ذهب الحياء من الإنسان؛ فقد ذهب منه كلّ خير، كما قال القائل: [الوافر]
إذا لم تخش عاقبة اللّيالي... ولم تستح فاصنع ما تشاء
فلا وأبيك ما في العيش خير... ولا الدّنيا إذا ذهب الحياء
وقد رغّب النبي ﷺ في أحاديثه الشريفة الكثيرة بالحياء، وبيّن أنه من خير الخصال، وأكتفي بما يلي: فعن عمران بن الحصين-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «الحياء لا يأتي إلاّ بخير». رواه البخاري، ومسلم، وفي رواية لمسلم: «الحياء خير كلّه». وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنّة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النّار». رواه أحمد.
هذا؛ والحياء في حق الله تعالى المراد منه: الترك اللازم للانقباض، كما ورد في قول النبي ﷺ: عن سلمان الفارسي-﵁: «إنّ الله حييّ كريم، يستحيي من العبد إذا رفع إليه يديه أن يردّهما صفرا خائبتين». رواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما، فالمراد منه: أن الله سبحانه يعطي، ولا يمنع.
Juz 7, halaman 42 ›
﴿قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا:﴾ قيل: لما سمع موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ذلك كره أن يذهب معها، ولكن كان جائعا، فلم يجد بدّا من الذهاب معها، فمشت المرأة، ومشى خلفها، فكانت الريح تضرب ثوبها، فتصف ردفها، فكره أن يرى ذلك منها، فقال لها: امشي خلفي، ودليني على الطريق؛ إذا أخطأت، ففعلت ذلك، فلما دخل موسى على شعيب إذا هو بالعشاء مهيأ، فقال: اجلس يا فتى فتعش! فقال: أعوذ بالله، قال شعيب: ولم ذاك؟ ألست جائعا؟ قال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لابنتيك، وإنا أهل بيت لا نطلب على عمل من أعمال الآخرة عوضا من الدنيا. فقال له شعيب: لا والله يا فتى! ولكنها عادتي، وعادة آبائي نقري الضيف، ونطعم الطعام. فجلس، وأكل. انتهى. خازن. وقال القرطبي: كان بين موسى وبين أبيها ثلاثة أميال. فلما جاءه، وقصّ عليه القصص؛ أي: أخبره بأمره أجمع: من خبر ولادته، وتربيته في بلاط فرعون، وقتله القبطي، وقصد فرعون قتله. ﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي: من فرعون، وقومه، وإنما قال ذلك؛ لأنه لم يكن لفرعون سلطان على مدين.
يقول بعض المفسرين: إن موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-أسمع المرأتين قوله: ﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ تعريضا حتى يكون له منهما ما يقوته، وهو ليس معه درهم ولا متاع ولا دينار، ولا ما يؤكل، فكانت دعوته كدعوة المظلوم سريعة الإجابة، ومن جهة أخرى: فإن غرس الجميل قد أثمر، وآتى أكله في أقل من ساعة، والله يضاعف الحسنات لعباده المخلصين.
موسى رجل ربّي على العزة في بيت فرعون، مدللا في نعيم دائم، ورفاهة، وقد نزل به من الجوع ما اضطره إلى أن يرضى أن يأخذ أجر عمل من أعمال المروءة، والجوع يرضي الأسود بالجيف، وأحسبه لو كان في بلهنية من العيش؛ لم يرض أن يأخذ أجرا على زكاة قوته. انتهى.
عبد الوهاب النجار، وهذا كلام لا وجه له.
الإعراب: ﴿فَجاءَتْهُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (جاءته): فعل ماض، والهاء مفعول به.
﴿إِحْداهُما:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، وجملة: ﴿فَجاءَتْهُ..﴾. إلخ معطوفة على الكلام المقدر الذي رأيته في الشرح، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿تَمْشِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل تقديره: «هي»، يعود إلى إحداهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿إِحْداهُما﴾. والرابط: الضمير فقط. ﴿عَلَى اسْتِحْياءٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل: ﴿تَمْشِي﴾ فهي حال متداخلة. ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى: ﴿إِحْداهُما﴾. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿أَبِي:﴾
Juz 7, halaman 43 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.