Kitab tafsir: Tafsir ar-Razi
· Pengarang: الفخر الرازي
لِأَنَّهُ تَعَالَى أَخْرَجَ الْمَسْكَنَةَ عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَيْهِمْ غَيْرُ زَائِلَةٍ عَنْهُمْ، وَالْبَاقِي عَلَيْهِمْ لَيْسَ إِلَّا الْجِزْيَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُرَادُ بِالْمَسْكَنَةِ أَنَّ الْيَهُودِيَّ يُظْهِرُ مِنْ نَفْسِهِ الْفَقْرَ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا مُوسِرًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
هَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ جَعَلَ الْيَهُودَ أَرْزَاقًا لِلْمُسْلِمِينَ فَيَصِيرُونَ مَسَاكِينَ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ مِنَ الْوَعِيدِ قَالَ: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ تَعَالَى أَلْصَقَ بِالْيَهُودِ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الْمَكْرُوهَاتِ أَوَّلُهَا: جَعَلَ الذِّلَّةَ لَازِمَةً لَهُمْ وَثَانِيهَا: جَعَلَ غَضَبَ اللَّهِ لَازِمًا لَهُمْ وَثَالِثُهَا: جَعَلَ الْمَسْكَنَةَ لَازِمَةً لَهُمْ، ثُمَّ بَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْعِلَّةَ لِإِلْصَاقِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَكْرُوهَةِ بِهِمْ هِيَ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَهُنَا سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: هَذِهِ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ إِنَّمَا الْتَصَقَتْ بِالْيَهُودِ بَعْدَ ظُهُورِ دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ، وَالَّذِينَ قَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِأَدْوَارٍ وَأَعْصَارٍ، فَعَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي حَصَلَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ وَهُوَ قَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ الْمَعْلُولُ الَّذِي هُوَ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ هَذَا الْمَعْلُولُ لَمْ تَحْصُلْ فِيهِ الْعِلَّةُ، فَكَانَ الْإِشْكَالُ لَازِمًا.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُمْ قَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ لَكِنَّهُمْ كَانُوا رَاضِينَ بِذَلِكَ، فَإِنَّ أَسْلَافَهُمْ هُمُ الَّذِينَ قَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ وَهَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرُونَ كَانُوا رَاضِينَ بِفِعْلِ أَسْلَافِهِمْ، فَنَسَبَ ذَلِكَ الْفِعْلَ إِلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ الْقَبِيحُ فِعْلًا لِآبَائِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُصَوِّبِينَ لِأَسْلَافِهِمْ فِي تِلْكَ الْأَفْعَالِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: لِمَ كُرِّرَ قَوْلُهُ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَمَا الْحِكْمَةُ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ التَّكْرِيرُ/ لِلتَّأْكِيدِ، لِأَنَّ التَّأْكِيدَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِشَيْءٍ أَقْوَى مِنَ الْمُؤَكَّدِ، وَالْعِصْيَانُ أَقَلُّ حَالًا مِنَ الْكُفْرِ فَلَمْ يَجُزْ تَأْكِيدُ الْكُفْرِ بِالْعِصْيَانِ؟.
وَالْجَوَابُ: مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ: أَنَّ عِلَّةَ الذِّلَّةِ وَالْغَضَبِ وَالْمَسْكَنَةِ هِيَ الْكُفْرُ وَقَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ، وَعِلَّةُ الْكُفْرِ وَقَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ هِيَ الْمَعْصِيَةُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمَّا تَوَغَّلُوا فِي الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ فَكَانَتْ ظُلُمَاتُ الْمَعَاصِي تَتَزَايَدُ حَالًا فَحَالًا، وَنُورُ الْإِيمَانِ يَضْعُفُ حَالًا فَحَالًا، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ بَطَلَ نُورُ الْإِيمَانِ وَحَصَلَتْ ظُلْمَةُ الْكُفْرِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ [الْمُطَفِّفِينَ: ١٤] فَقَوْلُهُ ذلِكَ بِما عَصَوْا إِشَارَةٌ إِلَى عِلَّةِ الْعِلَّةِ وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ أَرْبَابُ الْمُعَامَلَاتِ، مَنِ ابْتُلِيَ بِتَرْكِ الْآدَابِ وَقَعَ فِي تَرْكِ السُّنَنِ، وَمَنِ ابْتُلِيَ بِتَرْكِ السُّنَنِ وَقَعَ فِي تَرْكِ الْفَرِيضَةِ، وَمَنِ ابْتُلِيَ بِتَرْكِ الْفَرِيضَةِ وَقَعَ فِي اسْتِحْقَارِ الشَّرِيعَةِ، وَمَنِ ابْتُلِيَ بِذَلِكَ وَقَعَ فِي الْكُفْرِ الثَّانِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْهُمْ، وَيُرِيدَ بِقَوْلِهِ ذلِكَ بِما عَصَوْا مَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ فِي زَمَانِ الرَّسُولِ ﷺ، وَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ التَّكْرَارُ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ عِلَّةَ عُقُوبَةِ مَنْ تَقَدَّمَ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مَنْ تَأَخَّرَ لَمَّا تَبِعَ مَنْ تَقَدَّمَ كَانَ لِأَجْلِ مَعْصِيَتِهِ وَعَدَاوَتِهِ مُسْتَوْجِبًا لِمِثْلِ عُقُوبَتِهِمْ حَتَّى يَظْهَرَ لِلْخَلْقِ أَنَّ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْمِحْنَةِ لَيْسَ إِلَّا من باب العدل والحكمة.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١١٣ الى ١١٥]
لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)
[في قَوْلُهُ تَعَالَى لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إلى قوله تعالى وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ]
Juz 8, halaman 330 ›
فِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ فِي قَوْلِهِ لَيْسُوا سَواءً قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ لَيْسُوا سَواءً كَلَامٌ تَامٌّ، وَقَوْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيَانِ قَوْلِهِ لَيْسُوا سَواءً كَمَا وَقَعَ قَوْلُهُ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ [آل عمران: ١١٠] بياناً لقوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران: ١١٠] وَالْمَعْنَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهُمْ/ لَيْسُوا سَوَاءً، وَهُوَ تَقْرِيرٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ احْتِمَالَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ وكان تَمَامُ الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ:
وَمِنْهُمْ أُمَّةٌ مَذْمُومَةٌ، إِلَّا أَنَّهُ أَضْمَرَ ذِكْرَ الْأُمَّةِ الْمَذْمُومَةِ عَلَى مَذْهَبِ الْعَرَبِ مِنْ أَنَّ ذِكْرَ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الضِّدِّ الْآخَرِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الضِّدَّيْنِ يُعْلَمَانِ مَعًا، فَذِكْرُ أَحَدِهِمَا يَسْتَقِلُّ بِإِفَادَةِ الْعِلْمِ بِهِمَا، فَلَا جَرَمَ يَحْسُنُ إِهْمَالُ الضِّدِّ الْآخَرِ.
قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ:
دَعَانِي إِلَيْهَا الْقَلْبُ إِنِّيَ لَامْرُؤٌ ... مُطِيعٌ فَلَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلَابُهَا
أَرَادَ (أَمْ غَيٌّ) فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الرُّشْدِ عَنْ ذِكْرِ الْغَيِّ، وَهَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ وَابْنِ الْأَنْبَارِيِّ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: لَا حَاجَةَ إِلَى إِضْمَارِ الْأُمَّةِ الْمَذْمُومَةِ، لِأَنَّ ذِكْرَ الْأُمَّةِ الْمَذْمُومَةِ قَدْ جَرَى فِيمَا قَبْلَ هَذِهِ الْآيَاتِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى إِضْمَارِهَا مَرَّةً أُخْرَى، لِأَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْعِلْمُ بِالضِّدَّيْنِ مَعًا كَانَ ذِكْرُ أَحَدِهِمَا مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الْآخَرِ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ زَيْدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ لَا يَسْتَوِيَانِ زَيْدٌ عاقل دين زكي، فيغني هذا عن أَنْ يُقَالَ: وَعَبْدُ اللَّهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَكَذَا هاهنا لَمَّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ لَيْسُوا سَواءً أَغْنَى ذَلِكَ عَنِ الْإِضْمَارِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ لَيْسُوا سَواءً كلام غير تام ولا يجوز الوقت عِنْدَهُ، بَلْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ وَأُمَّةٌ مَذْمُومَةٌ، فَأُمَّةٌ رُفِعَ بِلَيْسَ وَإِنَّمَا قِيلَ لَيْسُوا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ: أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارِ الْأُمَّةِ الْمَذْمُومَةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدَةَ إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَ النَّحْوِيِّينَ أَنْكَرُوا هَذَا الْقَوْلَ لِاتِّفَاقِ الْأَكْثَرِينَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ وَأَمْثَالُهَا لُغَةٌ رَكِيكَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: يُقَالُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ سَوَاءٌ، أَيْ مُتَسَاوِيَانِ وَقَوْمٌ سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ وَمَضَى الْكَلَامُ فِي سَواءً فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الْمُرَادِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ قَوْلَانِ الْأَوَّلُ: وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسَى وَعِيسَى ﵉،
رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ قَالَ لَهُمْ بَعْضُ كِبَارِ الْيَهُودِ: لَقَدْ كَفَرْتُمْ وَخَسِرْتُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِبَيَانِ فَضْلِهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ،
وَقِيلَ: إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا وَصَفَ أَهْلَ الْكِتَابِ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِالصِّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ ذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ لِبَيَانِ أَنَّ كُلَّ أَهْلِ الْكِتَابِ لَيْسُوا كَذَلِكَ، بَلْ فِيهِمْ مَنْ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ وَالْخِصَالِ الْمَرْضِيَّةِ، قَالَ الثَّوْرِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ كَانُوا يُصَلُّونَ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَعَنْ عَطَاءٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ وَاثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِنَ الْحَبَشَةِ وَثَلَاثَةٍ مِنَ الرُّومِ كَانُوا عَلَى دِينِ عِيسَى وَصَدَّقُوا بِمُحَمَّدٍ ﵊.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ كُلُّ مَنْ أُوتِيَ الْكِتَابَ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ
Juz 8, halaman 331 ›
الْمُسْلِمُونَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا [فَاطِرٍ: ٣٢] وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا
رَوَى ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَّرَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ، فَقَالَ: «أَمَّا إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ أَحَدٌ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ» وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ،
قَالَ الْقَفَّالُ ﵀: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: أُولَئِكَ الْحَاضِرُونَ كَانُوا نَفَرًا مِنْ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقِيلَ لَيْسَ يَسْتَوِي مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَأَقَامُوا صَلَاةَ الْعَتْمَةِ فِي السَّاعَةِ الَّتِي يَنَامُ فِيهَا غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا، وَلَمْ يَبْعُدْ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ كُلَّ مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَسَمَّاهُمُ اللَّهُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ بِأَهْلِ الْكِتَابِ حَالُهُمْ وَصِفَتُهُمْ تِلْكَ الْخِصَالُ الذَّمِيمَةُ وَالْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ حَالُهُمْ وَصِفَتُهُمْ هَكَذَا، يَسْتَوِيَانِ؟
فَيَكُونُ الْغَرَضُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ تَقْرِيرَ فَضِيلَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ تَأْكِيدًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران: ١١٠] وَهُوَ كَقَوْلِهِ أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ [السَّجْدَةِ: ١٨] .
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى مَدَحَ الْأُمَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِصِفَاتٍ ثَمَانِيَةٍ.
الصِّفَةُ الْأُولَى: أَنَّهَا قَائِمَةٌ وَفِيهَا أَقْوَالٌ الْأَوَّلُ: أَنَّهَا قَائِمَةٌ فِي الصَّلَاةِ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ فَعَبَّرَ عَنْ تَهَجُّدِهِمْ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً
[الْفُرْقَانِ: ٦٤] وَقَوْلِهِ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ [الْمُزَّمِّلِ: ٢٠] وَقَوْلِهِ قُمِ اللَّيْلَ [الْمُزَّمِّلِ: ٢] وَقَوْلِهِ وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٨] وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ قَوْلُهُ وَهُمْ يَسْجُدُونَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ السَّجْدَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الصَّلَاةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: فِي تَفْسِيرِ كَوْنِهَا قَائِمَةً: أَنَّهَا ثَابِتَةٌ عَلَى التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ الْحَقِّ مُلَازِمَةٌ لَهُ غَيْرُ مُضْطَرِبَةٍ فِي التَّمَسُّكِ بِهِ كَقَوْلِهِ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً [آلِ عِمْرَانَ: ٧٥] أَيْ مُلَازِمًا لِلِاقْتِضَاءِ ثَابِتًا عَلَى الْمُطَالَبَةِ مُسْتَقْصِيًا فِيهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: قائِماً بِالْقِسْطِ [آلِ عِمْرَانَ: ١٨] .
وَأَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى كَوْنِ الْمُسْلِمِ قَائِمًا بحق العبودية وقوله قائِماً بِالْقِسْطِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَوْلَى قَائِمٌ بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ فِي الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ فَتَمَّتِ الْمُعَاهَدَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ تعالى كما قال: أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [الْبَقَرَةِ: ٤٠] وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ بِمَا
رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنْ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يُحَدِّثُونَنَا بِمَا يُعْجِبُنَا فَلَوْ كَتَبْنَاهُ، فَغَضِبَ ﷺ وَقَالَ: أَمُتَهَوِّكُونَ أَنْتُمْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ،
قَالَ الْحَسَنُ: مُتَحَيِّرُونَ مُتَرَدِّدُونَ «أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ أَتَيْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً» وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: «إِنَّكُمْ لَمْ تُكَلَّفُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِمَا وَتُفَوِّضُوا عِلْمَهُمَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَكُلِّفْتُمْ/ أَنْ تُؤْمِنُوا بِمَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي هَذَا الْوَحْيِ غُدْوَةً وَعَشِيًّا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَدْرَكَنِي إِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى لَآمَنُوا بِي وَاتَّبَعُونِي»
فَهَذَا الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثَّبَاتَ عَلَى هَذَا الدِّينِ وَاجِبٌ وَعَدَمَ التَّعَلُّقِ بِغَيْرِهِ وَاجِبٌ، فَلَا جَرَمَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِذَلِكَ فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أُمَّةٌ قائِمَةٌ أَيْ مُسْتَقِيمَةٌ عَادِلَةٌ مِنْ قَوْلِكَ: أَقَمْتُ الْعُودَ فَقَامَ بِمَعْنَى اسْتَقَامَ، وَهَذَا كَالتَّقْرِيرِ لِقَوْلِهِ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ.
الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
Juz 8, halaman 332 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.