تفسير القرآن الثري الجامع
· محمد الهلال
وأما إذا لم يظهر منهم بادرة، أو موقف من هذه المواقف العدائية، فالله ﷾ لا يمنعكم من أن تبروهم، وتقسطوا إليهم؛ حيث قال في سورة الممتحنة، آية (٨): ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
سورة آل عمران [٣: ١١٩]
﴿هَاأَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾:
تستمر الآيات في التحذير من اتخاذ البطانة من غير المؤمنين، وتبين الأسباب الداعية إلى عدم اتخاذ البطانة، فيقول تعالى:
﴿هَاأَنتُمْ﴾: الهاء: للتنبيه، والتحذير لعباده المؤمنين، أنتم: ضمير منفصل يفيد التوكيد.
﴿أُولَاءِ﴾: اسم إشارة للقرب حذف الهاء من أولاء وأصلها هؤلاء؛ لأن الموقف لا يحتاج إلى الوعظ وإلى التنبيه مرة أخرى، واكتفى بهاء التنبيه في كلمة ها أنتم.
﴿تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾: لأنهم أقرباء لكم، وبالنسب، والصداقة، والخلة، أو تحبونهم طمعاً في إسلامهم، أو رحمة بهم، وهم لا يحبونكم. لا: النافية.
وانتبه إلى قوله: تحبونهم، ولا يحبونكم، ولم يقل تحبوهم ولا يحبوكم، بل زاد نون التوكيد على حبكم الشديد لهم، وهم لا يبادلونكم أي حب، (وزاد نون التوكيد على عدم حبهم لكم).
وإذا قارنا قوله تعالى: ﴿هَاأَنتُمْ أُولَاءِ﴾ في الآية (١١٩) التي جاءت في سياق اتخاذ البطانة، وبقوله في آية (٦٦) من آل عمران: ﴿هَاأَنتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: ففي قوله: ها أنتم هؤلاء: دخلت
Juz 2, hlm. 213 ›
هاء التنبيه على الضمير، وعلى اسم الإشارة في آن واحد مما يدل على أن التنبيه والتحذير وشدة اللوم هو أشد وأكبر في هذه الآية التي جاءت في سياق أهل الكتاب الذين يزعمون أن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً مقارنة بالذين اتخذوا بطانة من دون المؤمنين.
ولنقارن أربع آيات:
الآية (١١٩) من سورة آل عمران: ﴿هَاأَنتُمْ أُولَاءِ﴾: نجد تقديم هاء التنبيه على الضمير، وتأخير اسم الإشارة.
والآية (٨٥) من سورة البقرة: ﴿ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ﴾: نجد دخول هاء التنبيه على اسم الإشارة مع تقديم الضمير أنتم.
والآية (٦٦) من سورة آل عمران: ﴿هَاأَنتُمْ أُولَاءِ﴾: نجد دخول هاء التنبيه على الضمير، وعلى اسم الإشارة في آن واحد.
والآية (٨٤) من سورة طه: ﴿هُمْ أُولَاءِ﴾: لا نجد بها هاء داخلة على الضمير، ولا اسم الإشارة.
فلكل آية من هذه الآيات سياق مختلف من حيث شدة التحذير، والتنبيه؛ سنعود إليه حين دراستها.
﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾: وتصدقون بالكتاب. الباء: للإلصاق، وتعني: التمسك به. الكتاب: اسم جنس؛ أي: بكل الكتب السماوية المنزلة.
كله: توكيد للإيمان بكل الكتب، والدليل قوله سبحانه: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
Juz 2, hlm. 214 ›
وحذف وهم لا يؤمنون؛ حيث كان الأصل في الآية: وتؤمنون بالكتاب كله، وهم لا يؤمنون.
﴿وَإِذَا﴾: ظرفية للزمن المستقبل، وتتضمن معنى الشرط، وتفيد حتمية الحدوث.
﴿لَقُوكُمْ﴾: من اللقاء، وهو المواجهة، والتحدث، والفرق بين اللقاء والاجتماع: الاجتماع قد يكون في مكان ما، والكل موجود، ولا يجري اتصال، أو حديث بينهم. أما اللقاء: فهو اجتماع وحديث معاً.
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾: أي: صدقنا بما جاء به محمد ﷺ، قالوا آمنا حذراً على أنفسهم، وهذه حال المنافقين.
﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾: أي: خلا بعضهم ببعض، أو خلوا إلى رؤسائهم؛ بحيث لا يراهم المؤمنون، خلا به، وخلا إليه، وخلا معه، وخلا: سأله أن يجتمع به في خلوة ففعل (خلا معه)، وخلا قد تعني: مضى وذهب.
﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾: الأنامل: جمع أنملة رأس الأصابع كلها.
وعض الأنامل: عادة يعض على رأس الأنملة، ولا يعض الأنامل كلها، بل أنملة واحدة.
ولكنه استعمل الأنامل بدلاً من الأنملة (مجازاً) دليلاً على شدة الغيظ، والحقد، والندم.
وعضوا عليكم الأنامل: لأنهم لم يستطيعوا إلحاق الضرر والأذى بكم.
أو عضوا من شدة الغضب لما يرون من ائتلافكم، ووحدتكم.
﴿الْغَيْظِ﴾: قيل هو أشد من الغضب، والغيظ: هو الهيجان، وثورة النفس؛
Juz 2, hlm. 215 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.