أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان، وقال: لا يخرجنّ معنا إلا من حضر يومنا بالأمس.
فخرج معه جماعة من أصحابه؛ حتّى بلغوا حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة، وكان بأصحابه القرح الذي أصابهم يوم أحد، فتحاملوا على أنفسهم؛ حتّى لا يفوتهم الأجر، وألقى الله الرّعب في قلوب المشركين، فذهبوا إلى مكّة المكرمة، ونزلت تلك الآية، وما بعدها.
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة ل: ﴿الْمُؤْمِنِينَ،﴾ أو بدل منه، أو هو في محل نصب على المدح بفعل محذوف، أو هو في محل رفع مبتدأ، خبره الجملة الاسمية الآتية. ﴿اِسْتَجابُوا﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِلّهِ:﴾
متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَالرَّسُولِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما أيضا. ﴿ما:﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: من بعد إصابة القرح إياهم. هذا؛ وقال مكي: ﴿مِنْ بَعْدِ..﴾.
إلخ: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿الَّذِينَ﴾ وهذا على اعتباره مبتدأ. ﴿أَصابَهُمُ الْقَرْحُ:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَحْسَنُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية صلة الموصول، والمفعول محذوف، كما رأيت تقديره في الشرح. ﴿وَاتَّقَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، والمفعول محذوف، التقدير: اتقوا الله. (﴿أَجْرٌ﴾): مبتدأ مؤخر.
﴿عَظِيمٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية: ﴿لِلَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها على الوجهين الأوّلين في (الدّين) الأول. وعلى قول مكي المتقدّم، أو هي في محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ.
﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾
الشرح: ﴿الَّذِينَ:﴾ المراد بهم: أصحاب النبي ﷺ. ﴿قالَ لَهُمُ النّاسُ:﴾ المراد به: نعيم بن مسعود الأشجعي قبل أن يسلم، وأطلق عليه لفظ الناس؛ لأنه من جنسهم، كما يقال: فلان يركب الخيل، وماله إلا فرس واحد، أو لأنه انضم إليه ناس من المدينة، أي: من المنافقين، وأذاعوا كلامه. وانظر الآية رقم [٥٤] من سورة (النساء). ﴿إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ:﴾ المراد به:
أبو سفيان، وقومه، ومن انضمّ إليهم من حلفائهم. ﴿فَاخْشَوْهُمْ:﴾ خافوهم. والماضي: خشي، والمصدر: خشية، والرجل خشيان، والمرأة خشيا، وهذا المكان أخشى من ذاك، أي: أشد خوفا، وقد يأتي «خشي» بمعنى: «علم» القلبية، قال الشاعر المسلم: [الكامل]
ولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النّبيّ محمّد
Juz 2, halaman 311 ›
قالوا: معناه: علمت، وقوله تعالى في سورة (الكهف) حكاية عن قول الخضر-﵇: ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً﴾ قال الأخفش: معناه: كرهنا. هذا؛ والخشية:
أصلها طمأنينة في القلب تبعث على التوقّي. والخوف: فزع في القلب تخفّ له الأعضاء، ولخفة الأعضاء سمّي خوفا. ﴿فَزادَهُمْ إِيماناً:﴾ تصديقا بالله، وثقة بوعده. هذا؛ وزاد، يزيد ضد:
نقص، ينقص، يكون لازما، كقولك: زاد المال درهما، ويكون متعديا لمفعولين، كما في الآية التي بين أيدينا، وقولك: زاد الله خالدا خيرا، بمعنى: جزاه الله خيرا، وأما قولك: زاد المال درهما، والبرّ مدّا؛ فدرهما، ومدّا تمييز، ومثله قل في: نقص، فمن المتعدي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾ ومن اللازم قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾.
تنبيه: أفادت الآية الكريمة: أن الإيمان يزيد، وينقص، ومثلها قوله تعالى في سورة (الأنفال): ﴿وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً﴾ وكذلك الكفر، والنفاق يزيد، وينقص، قال تعالى في سورة (البقرة): ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً،﴾ قال تعالى في سورة (التوبة): ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ..﴾. إلخ. انظر شرح الآيتين في محلهما.
ويعضد ذلك قول ابن عمر-﵄: قلنا: يا رسول الله! الإيمان يزيد، وينقص؟ قال:
«نعم، يزيد؛ حتّى يدخل صاحبه الجنّة، وينقص؛ حتّى يدخل صاحبه النّار». وقال ﷺ: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمّة؛ لرجح به». وهذا هو المعتمد إن شاء، وهو مذهب الأشاعرة.
تنبيه-روي: أنا أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد: يا محمد! موعدنا موسم بدر القابل؛ إن شئت. فقال عليه الصلاة، والسّلام: إن شاء الله، فلمّا كان العام القابل خرج في أهل مكة؛ حتّى نزل بمرّ الظهران، فأنزل الله الرّعب في قلبه، كما وعد الله بقوله: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ..﴾. إلخ، وبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي، وقد قدم مكة معتمرا، فسأله أن يذهب إلى المدينة، ويثبّط همم المسلمين، ويخوفهم، وقد التزم له عشرا من الإبل، فخرج نعيم إلى المدينة، فوجد المسلمين يتجهزون للخروج، فقال لهم: أتوكم في دياركم فلم يفلت منكم إلا الشديد. يريد ما حصل في غزوة أحد من انكسار المسلمين، أفترون أن تخرجوا؛ وقد جمعوا لكم؟! ففتروا، فقال النبي ﷺ: «والّذي نفسي بيده لأخرجنّ، ولو لم يخرج معي أحد!» فخرج المسلمون معه؛ وهم يقولون: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ولم يلتفتوا إلى ما قاله نعيم، حتى بلغوا بدرا الصّغرى، وكانت موضع سوق للعرب، يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام، فأقام المسلمون تلك المدة في بدر، وصادفوا الموسم، وباعوا ما كان معهم من التجارات، فربحوا الدرهم درهمين، ولم يأتهم أحد من أهل مكّة. وهذا ما تفيده الآية التالية.
وقال القرطبي-﵀-في قوله تعالى: ﴿وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ أي: كافينا الله. وروى البخاري عن ابن عباس-﵄-قال في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ﴾
Juz 2, halaman 312 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.