Kitab tafsir: Tafsir Ibni 'Asyur
· Pengarang: ابن عاشور
وَجُمْلَةُ وَإِذا قِيلَ لَهُمُ إِلَخْ عَطْفٌ عَلَى صِلَةِ مِنَ، أَيْ: مِنْ حَالِهِمْ هَذَا وَذَاكَ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٧٠] .
وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي قَوْلِهِ يَدْعُوهُمْ عَائِدٌ إِلَى الْآبَاءِ، أَيْ أَيَتَّبِعُونَ آبَاءَهُمْ وَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُو الْآبَاءَ إِلَى الْعَذَابِ فَهُمْ يَتْبَعُونَهُمْ إِلَى الْعَذَابِ وَلَا يَهْتَدُونَ. ولَوْ وصلية، وَالْوَاو مَعهَا لِلْحَالِ.
وَالِاسْتِفْهَامُ تَعْجِيبِيٌّ مِنْ فظاعة ضلالهم وَعَما هم بِحَيْثُ يَتَّبِعُونَ مَنْ يَدْعُوهُمْ إِلَى النَّارِ، وَهَذَا ذَمٌّ لَهُمْ. وَهُوَ وَزَانُ قَوْلِهِ فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ [١٧٠] : أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً. وَالدُّعَاءُ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ: الدُّعَاءُ إِلَى أَسْبَابِهِ. وَالسَّعِيرُ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً فِي سُورَة الْإِسْرَاء [٩٧] .
[٢٢]
[سُورَة لُقْمَان (٣١) : آيَة ٢٢]
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)
هَذَا مُقَابِلُ قَوْلِهِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ [لُقْمَان: ٢٠] إِلَى قَوْلِهِ:
يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ [لُقْمَان: ٢١] ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا مَا وجدوا ءاباءهم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ فَوَقَعُوا فِي الْعَذَابِ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَتَمَسَّكُوا بِدِينِ آبَائِهِمْ وَأَسْلَمُوا لِلَّهِ لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَصُدَّهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ إِلْفٌ وَلَا تَقْدِيسُ آبَاءٍ فَأُولَئِكَ تَعَلَّقُوا بِالْأَوْهَامِ وَاسْتَمْسَكُوا بِهَا لِإِرْضَاءِ أَهْوَائِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ اسْتَمْسَكُوا بِالْحَقِّ إِرْضَاءً لِلدَّلِيلِ وَأُولَئِكَ أَرْضَوُا الشَّيْطَانَ وَهَؤُلَاءِ اتَّبَعُوا رِضَى اللَّهِ.
وَإِسْلَامُ الْوَجْهِ إِلَى اللَّهِ تَمْثِيلٌ لِإِفْرَادِهِ تَعَالَى بِالْعِبَادَةِ كَأَنَّهُ لَا يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١١٢] ، وَقَوْلِهِ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [٢٠] .
وَتَعْدِيَةُ فِعْلِ يُسْلِمْ بِحَرْفٍ إِلَى هُنَا دُونَ اللَّامِ كَمَا فِي آيَتَيْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١١٢] وَسُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [٢٠] عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ مَجَازٌ فِي الْفِعْلِ بِتَشْبِيهِ نَفْسِ الْإِنْسَانِ بِالْمَتَاعِ الَّذِي
يَدْفَعُهُ صَاحِبُهُ إِلَى آخَرَ وَيَكِلُهُ إِلَيْهِ. وَحَقِيقَتُهُ أَنْ يُعَدَّى بِاللَّامِ، أَيْ وَجْهَهُ وَهُوَ ذَاتُهُ سَالِمًا
Juz 21, halaman 176 ›
لِلَّهِ، أَيْ خَالِصًا لَهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [٢٠] .
وَالْإِحْسَانُ: الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَالْإِخْلَاصُ فِي الْعِبَادَةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّهُ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»
. وَالْمَعْنَى: وَمَنْ يُسْلِمْ إِسْلَامًا لَا نِفَاقَ فِيهِ وَلَا شَكَّ فَقَدْ أَخَذَ بِمَا يَعْتَصِمُ بِهِ مِنَ الْهُوِيِّ أَوِ التَّزَلْزُلِ.
وَقَوْلُهُ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى مَضَى الْكَلَامُ عَلَى نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٥] ، وَهُوَ ثَنَاءٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَتَذْيِيلُ هَذَا بِقَوْلِهِ وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ إِيمَاءٌ إِلَى وَعْدِهِمْ بِلِقَاءِ الْكَرَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ فِي آخِرِ أَمْرِهِمْ وَهُوَ الْحَيَاةُ الْآخِرَةُ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي الْأُمُورِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَهُوَ تَعْمِيمٌ يُرَادُ بِهِ أَنَّ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي هِيَ مِنْ مَشْمُولَاتِ عُمُومِ الْأُمُورِ صَائِرَةٌ إِلَى اللَّهِ وَمَوْكُولَةٌ إِلَيْهِ فَجَزَاؤُهُمْ بِالْخَيْرِ مُنَاسِبٌ لِعَظَمَةِ اللَّهِ.
وَالْعَاقِبَةُ: الْحَالَةُ الْخَاتِمَةُ وَالنِّهَايَةُ. والْأُمُورِ: جَمْعٌ أَمْرٍ وَهُوَ الشَّأْنُ.
وَتَقْدِيمُ إِلَى اللَّهِ لِلِاهْتِمَامِ وَالتَّنْبِيهِ إِلَى أَنَّ الرَّاجِعَ إِلَيْهِ يُلَاقِي جزاءه وافيا.
[٢٣]
[سُورَة لُقْمَان (٣١) : آيَة ٢٣]
وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣)
لَمَّا خَلَا ذَمُّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَنِ الْوَعِيدِ وَانْتَقَلَ مِنْهُ إِلَى مَدْحِ الْمُسْلِمِينَ وَوَعْدِهِمْ عَطَفَ عِنَانَ الْكَلَامِ إِلَى تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ بِتَهْوِينِ كُفْرِهِمْ عَلَيْهِ تَسْلِيَةً لَهُ وَتَعْرِيضًا بِقِلَّةِ الْعِبْءِ بِهِمْ لِأَنَّ مَرْجِعَهُمْ إِلَى اللَّهِ فَيُرِيهِمُ الْجَزَاءَ الْمُنَاسِبَ لِكُفْرِهِمْ، فَهُوَ تَعْرِيضٌ لَهُمْ بِالْوَعِيدِ.
وَأُسْنِدَ النَّهْيُ إِلَى كُفْرِهِمْ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُحْزِنًا لِلرَّسُولِ ﷺ مَجَازًا عَقْلِيًّا فِي نَهْيِ
Juz 21, halaman 177 ›
الرَّسُولِ ﵊ عَنْ مُدَاوَمَةِ الْفِكْرِ بِالْحُزْنِ لِأَجْلِ كُفْرِهِمْ لِأَنَّهُ إِذَا قَلَعَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ انْتَفَى إِحْزَانُ كُفْرِهِمْ إِيَّاهُ. وَقَرَأَ نَافِعٌ يَحْزُنْكَ- بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الزَّايِ- مُضَارِعُ أَحْزَنَهُ إِذَا جَعَلَهُ حَزِينًا. وَقَرَأَ الْبَقِيَّةُ يَحْزُنْكَ- بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَضَمِّ الزَّايِ- مُضَارِعُ حَزَنَهُ بِذَلِكَ الْمَعْنَى، وَهُمَا لُغَتَانِ: الْأُولَى لُغَةُ تَمِيمٍ، وَالثَّانِيَةُ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وَالْأُولَى أَقْيَسُ وَكِلْتَاهُمَا فُصْحَى وَلُغَةُ تَمِيمٍ مِنَ اللُّغَاتِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ وَهِيَ لُغَةُ عُلْيَا تَمِيمٍ وَهُمْ بَنُو دَارِمٍ كَمَا
تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ السَّادِسَةِ. وَزَعَمَ أَبُو زَيْدٍ وَالزَّمَخْشَرِيُّ: أَنَّ الْمُسْتَفِيضَ أَحْزَنَ فِي الْمَاضِي وَيُحْزِنُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، يُرِيدَانِ الشَّائِعَ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ، وَالْقِرَاءَةُ رِوَايَةٌ وَسُنَّةٌ. وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ يُوسُفَ [١٣] إِنِّي لَيَحْزُنُنِي وَفِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [٣٣] قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ.
وَجُمْلَةُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، وَهِيَ أَيْضًا تَمْهِيدٌ لِوَعْدِ الرَّسُولِ ﷺ بِأَنَّ اللَّهَ يَتَوَلَّى الِانْتِقَامَ مِنْهُمُ الْمَدْلُولَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ فَنُنَبِّئُهُمْ مُفَرَّعًا عَلَى جُمْلَةِ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ كِنَايَةً عَنِ الْمُجَازَاةِ اسْتُعْمِلَ الْإِنْبَاءُ وَأُرِيدَ لَازِمُهُ وَهُوَ الْإِظْهَارُ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا.
وَجُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا، فَمَوْقِعُ حَرْفِ إِنَّ هُنَا مُغْنٍ عَنْ فَاءِ التَّسَبُّبِ كَمَا فِي قَوْلِ بَشَّارٍ:
إِنَّ ذَاكَ النَّجَاحِ فِي التبكير وبِذاتِ الصُّدُورِ: هِيَ النَّوَايَا وَأَعْرَاضُ النَّفْسِ مِنْ نَحْوِ الْحِقْدِ وَتَدْبِيرِ الْمَكْرِ وَالْكُفْرِ.
وَمُنَاسَبَتُهُ هُنَا أَنَّ كُفْرَ الْمُشْرِكِينَ بَعْضُهُ إِعْلَانٌ وَبَعْضُهُ إِسْرَارٌ قَالَ تَعَالَى: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [الْملك: ١٣] ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ فِي سُورَة الْأَنْفَال [٤٣] .
[٢٤]
[سُورَة لُقْمَان (٣١) : آيَة ٢٤]
نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٢٤)
اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِأَنَّ قَوْلَهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا [لُقْمَان: ٢٣] يُثِيرُ فِي نُفُوسِ السَّامِعِينَ سُؤَالًا عَنْ عَدَمِ تَعْجِيلِ الْجَزَاءِ إِلَيْهِمْ، فَبَيَّنَ بِأَنَّ اللَّهَ يُمْهِلُهُمْ زَمَنًا ثُمَّ يُوقِعُهُمْ
Juz 21, halaman 178 ›
Pembahasan ayat ini masih 13 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.