Kitab tafsir: Tafsir Ibni 'Asyur
· Pengarang: ابن عاشور
وَيُقِيلُونَ، ويسيرون الْمسَاء فتعترضهم قَرْيَةٌ يَبِيتُونَ بِهَا. فَمَعْنَى قَوْلِهِ: سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً: سِيرُوا كَيْفَ شِئْتُمْ.
وَتَقْدِيمُ اللَّيَالِي على الْأَيَّام للاهتمام بِهَا فِي مَقَامِ الِامْتِنَانِ لِأَنَّ الْمُسَافِرِينَ أَحْوَجُ إِلَى الْأَمْنِ فِي اللَّيْلِ مِنْهُمْ إِلَيْهِ فِي النَّهَارِ لِأَنَّ اللَّيْلَ تَعْتَرِضُهُمْ فِيهِ القطاع وَالسِّبَاع.
[١٩]
[سُورَة سبإ (٣٤) : آيَة ١٩]
فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)
الْفَاءُ مِنْ قَوْلِهِ: فَقالُوا رَبَّنا لِتَعْقِيبِ قَوْلِهِمْ هَذَا إِثْرَ إِتْمَامِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ بِاقْتِرَابِ الْمُدُنِ وَتَيْسِيرِ الْأَسْفَارِ، وَالتَّعْقِيبُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، فَلَمَّا تَمَّتِ النِّعْمَةُ بَطَرُوهَا فَحَلَّتْ بِهِمْ أَسْبَابُ سَلْبِهَا عَنْهُمْ.
وَمِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ زَوَالِ النِّعْمَةِ كُفْرَانُهَا. قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ الْإِسْكَنْدَرِيُّ «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوَالِهَا وَمَنْ شَكَرَهَا فَقَدْ قَيَّدَهَا بِعِقَالِهَا» .
وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ قَالُوهُ جَوَابًا عَنْ مَوَاعِظِ أَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْهُمْ حِينَ يَنْهَوْنَهُمْ عَنِ الشِّرْكِ فَهُمْ يَعِظُونَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الرَّفَاهِيَة وهم يُجِيبُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ إِفْحَامًا لِدُعَاةِ الْخَيْرِ مِنْهُمْ عَلَى نَحْوِ قَوْلِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [الْأَنْفَال: ٣٢] ، قَبْلَ هَذَا «فَأَعْرَضُوا فَإِنَّ الْإِعْرَاضَ يَقْتَضِي دَعْوَةً لِشَيْءٍ» وَيُفِيدُ هَذَا الْمَعْنَى قُوَّةً وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ عَقِبَ حِكَايَةِ قَوْلِهِمْ، فَإِنَّهُ إِمَّا مَعْطُوفٌ عَلَى جُمْلَةِ فَقالُوا، أَيْ فَأَعْقَبُوا ذَلِكَ بِكُفْرَانِ النِّعْمَةِ وَبِالْإِشْرَاكِ، فَإِنَّ ظُلْمَ النَّفْسِ أُطْلِقَ كَثِيرًا عَلَى الْإِشْرَاكِ فِي الْقُرْآنِ وَمَا الْإِشْرَاكُ إِلَّا أَعْظَمُ كُفْرَانِ نِعْمَةِ الْخَالِقِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْوَاوُ وَاوُ الْحَالِ، أَيْ قَالُوا ذَلِكَ وَقَدْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالشِّرْكِ فَكَانَ قَوْلُهُمْ مُقَارِنًا لِلْإِشْرَاكِ.
وَعَلَى الِاعْتِبَارَيْنِ فَإِنَّ الْعِقَابَ إِنَّمَا كَانَ مُسَبَّبًا بِسَبَبَيْنِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ قَوْلِهِ:
Juz 22, halaman 176 ›
فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ إِلَى قَوْلِهِ: إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ: ١٦،
١٧] .
فَالْمُسَبَّبُ عَلَى الْكُفْرِ هُوَ اسْتِئْصَالُهُمْ وَهُوَ مَدْلُولُ قَوْلِهِ: فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ كَمَا سَتَعْرِفُهُ، وَالْمُسَبَّبُ عَلَى كُفْرَانِ نِعْمَةِ تَقَارُبِ الْبِلَادِ هُوَ تَمْزِيقُهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ، أَيْ تَفْرِيقُهُمْ، فَنَظْمُ الْكَلَامِ جَاءَ عَلَى طَرِيقَةِ اللف والنشر المشوّش.
وَدَرَجَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّهُمْ دَعَوُا اللَّهَ بِذَلِكَ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُقِرِّينَ بِاللَّهِ فِيمَا يَظْهَرُ فَإِنْ دَرَجْنَا عَلَى أَنَّهُمْ عَرَفُوا اللَّهَ وَدَعَوْهُ بِهَذَا الدُّعَاءِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْدُرُوا نِعْمَتَهُ الْعَظِيمَةَ قَدْرَهَا فَسَأَلُوا اللَّهَ أَنْ تَزُولَ تِلْكَ الْقُرَى الْعَامِرَةُ لِيَسِيرُوا فِي الْفَيَافِي وَيَحْمِلُوا الْأَزْوَادَ مِنَ الْمِيرَةِ وَالشَّرَابِ.
ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَصْحَابُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مِمَّنْ كَانُوا أَدْرَكُوا حَالَةَ تَبَاعُدِ الْأَسْفَارِ فِي بِلَادِهِمْ قبل أَن تؤول إِلَى تِلْكَ الْحَضَارَةِ، أَوْ مِمَّنْ كَانُوا يَسْمَعُونَ أَحْوَالَ الْأَسْفَارِ الْمَاضِيَةِ فِي بِلَادِهِمْ أَوْ أَسْفَارَ الْأُمَمِ الْبَادِيَةِ فَتَرُوقُ لَهُمْ تِلْكَ الْأَحْوَالُ، وَهَذَا مِنْ كُفْرِ النِّعْمَةِ النَّاشِئِ عَنْ فَسَادِ الذَّوْقِ فِي إِدْرَاكِ الْمَنَافِعِ وَأَضْدَادِهَا.
وَالْمُبَاعَدَةُ بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ الْقَائِمَةِ مَقَامَ هَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ وَالتَّضْعِيفِ. فَالْمَعْنَى: رَبَّنَا أَبْعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا.
وَقَالَ النَّبِيءُ ﷺ «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ»
. وَقَرَأَهُ الْجُمْهُورُ باعِدْ. وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرٍو بَعِّدْ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَتَشْدِيدِ الْعَيْنِ. وَقَرَأَهُ يَعْقُوبُ وَحْدَهُ رَبَّنا بِالرَّفْعِ وباعِدْ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الدَّالِ بِصِيغَةِ الْمَاضِي عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ تَذَمَّرُوا مِنْ ذَلِكَ الْعُمْرَانِ وَاسْتَقَلُّوهُ وَطَلَبُوا أَنْ تَزْدَادَ الْبِلَادُ قُرْبًا وَذَلِكَ مِنْ بطر النِّعْمَة وَطلب مَا يُتَعَذَّرُ حِينَئِذٍ.
وَالتَّرْكِيبُ يُعْطِي مَعْنَى «اجْعَلِ الْبُعْدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا» . وَلَمَّا كَانَتْ بَيْنَ تَقْتَضِي أَشْيَاءَ تَعَيَّنَ أَنَّ الْمَعْنَى: بَاعِدْ بَيْنَ السَّفَرِ وَالسَّفَرِ مِنْ أَسْفَارِنَا. وَمَعْنَى ذَلِكَ إِبْعَادُ الْمَرَاحِلِ لِأَنَّ كُلَّ مَرْحَلَةٍ تُعْتَبَرُ سَفَرًا، أَيْ بَاعِدْ بَيْنَ مَرَاحِلِ أَسْفَارِنَا.
وَمَعْنَى فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ جَعَلْنَا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْجَنَّاتِ
Juz 22, halaman 177 ›
وَفِي بُحْبُوحَةِ الْعَيْشِ أَحَادِيثَ، أَيْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَصَارَ وُجُودُهُمْ فِي الْأَخْبَارِ وَالْقِصَصِ وَأَبَادَهُمُ اللَّهُ حِينَ تَفَرَّقُوا بَعْدَ سَيْلِ الْعَرِمِ فَكَانَ ذَلِكَ مُسْرِعًا فِيهِمْ بِالْفَنَاءِ بِالتَّغَرُّبِ فِي الْأَرْضِ وَالْفَاقَةِ وَتَسَلُّطِ الْعَوَادِي عَلَيْهِمْ فِي الطرقات كَمَا ستعلمه. وَفِعْلُ الْجَعْلِ يَقْتَضِي تَغْيِيرًا وَلَمَّا عَلَقَ
بِذَوَاتِهِمُ انْقَلَبَتْ مِنْ ذَوَاتٍ مُشَاهَدَةٍ إِلَى كَوْنِهَا أَخْبَارًا مَسْمُوعَةً. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ هَلَكُوا وَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِهِمْ. وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: دَخَلُوا فِي خَبَرِ كَانَ، وَإِلَّا فَإِنَّ الْأَحَادِيث لَا يَخْلُو مِنْهَا أَحَدٌ وَلَا جَمَاعَةٌ. وَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَدْحِ كَقَوْلِهِ:
هَاذِي قُبُورُهُمْ وَتِلْكَ قُصُورُهُمْ ... وَحَدِيثُهُمْ مُسْتَوْدَعُ الْأَوْرَاقِ
أَوْ أُرِيدَ: فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ اعْتِبَارٍ وَمَوْعِظَةٍ، أَيْ فَأَصَبْنَاهُمْ بِأَمْرٍ غَرِيبٍ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ بِهِ النَّاسُ فَيَكُونُ أَحادِيثَ مَوْصُوفًا بِصِفَةٍ مُقَدَّرَةٍ دَلَّ عَلَيْهَا السِّيَاقُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الْكَهْف: ٧٩] ، أَيْ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها [الْكَهْف: ٧٩] .
وَالتَّمْزِيقُ: تَقْطِيعُ الثَّوْبِ قِطَعًا، اسْتُعِيرَ هُنَا لِلتَّفْرِيقِ تَشْبِيهًا لِتَفْرِيقِ جَامِعَةِ الْقَوْمِ شَذَرَ مَذَرَ بِتَمْزِيقِ الثَّوْبِ قِطَعًا.
وكُلَّ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْمُمَزَّقِ كُلِّهِ، فَاكْتَسَبَ مَعْنَى الْمَفْعُولِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ مِنْ إِضَافَتِهِ إِلَى الْمَصْدَرِ.
وَمَعْنَى كُلَّ كَثِيرَةُ التَّمْزِيقِ لِأَنَّ (كُلًّا) تَرِدُ كَثِيرًا بِمَعْنَى الْكَثِيرِ لَا بِمَعْنَى الْجَمِيعِ، قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ [يُونُس: ٩٧] وَقَالَ النَّابِغَةُ:
بِهَا كُلُّ ذَيَّالٍ وَأَشَارَتِ الْآيَةُ إِلَى التَّفَرُّقِ الشَّهِيرِ الَّذِي أُصِيبَتْ بِهِ قَبِيلَةُ سَبَأٍ إِذْ حَمَلَهُمْ خَرَابُ السَّدِّ وَقُحُولَةُ الْأَرْضِ إِلَى مُفَارَقَةِ تِلْكَ الْأَوْطَانِ مُفَارَقَةً وَتَفْرِيقًا ضَرَبَتْ بِهِ الْعَرَبُ الْمَثَلَ فِي قَوْلِهِمْ: ذَهَبُوا، أَوْ تَفَرَّقُوا أَيْدِي سَبَا، أَوْ آيَادِيَ سَبَا، بِتَخْفِيفِ هَمْزَةِ سَبَأٍ لِتَخْفِيفِ الْمَثَلِ.
وَفِي «لِسَانِ الْعَرَبِ» فِي مَادَّةِ (يَدي) قَالَ الْعمريّ: لَمْ يَهْمِزُوا سَبَا لِأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ مَعَ مَا قَبْلَهُ بِمَنْزِلَةِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ. هَكَذَا وَلَعَلَّهُ الْتِبَاسٌ أَوْ تَحْرِيفٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمَعَرِّيُّ عَدَمَ إِظْهَارِ الْفَتْحَةِ عَلَى يَاءِ «أَيَادِي» أَوْ «أَيْدِي»
Juz 22, halaman 178 ›
Pembahasan ayat ini masih 3 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.