﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾
الشرح: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا:﴾ المعنى: ولكل عامل بطاعة الله، أو بمعصيته درجات. يعني: منازل يبلغها بعمله إن كان خيرا؛ فخير، وإن كان شرّا؛ فشر. وإنما سميت درجات لتفاضلها في الارتفاع، والانحطاط، كتفاضل الدرج. وهذا إنما يكون في الثواب، والعقاب على قدر أعمالهم في الدنيا، فمنهم من هو أعظم ثوابا، ومنهم من هو أشد عقابا، وقيل غير ذلك انتهى خازن. وهذا الذي أرتضيه. ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ:﴾ قيل: هذا مختص بأهل الكفر، والمعاصي، ففيه وعيد، وتهديد لهم، والذي ذكرته بالجملة الأولى أصح؛ لأن علمه تعالى شامل لكل المعلومات، فيدخل فيه المؤمن، والكافر، والطائع، والعاصي، وإنه تعالى عالم بأعمالهم على التفصيل التام، فيجزي كل عامل على قدر عمله، وما يليق به من ثواب، أو عقاب. انتهى. خازن بتصرف. ويقرأ «يعملون» بالياء، والتاء.
الإعراب: ﴿وَلِكُلٍّ:﴾ (لكل) متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿دَرَجاتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر.
﴿مِمّا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿دَرَجاتٌ﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (من) والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء عملوه. وعلى الثالث تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من)، التقدير: من عملهم، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿رَبُّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بِغافِلٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (غافل): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله مستتر فيه.
﴿عَمّا:﴾ متعلقان ب ﴿بِغافِلٍ﴾. و (ما) تحتمل ما تحتمله سابقتها، وباقي الإعراب واضح إن شاء الله تعالى. والجملة الاسمية: ﴿وَما رَبُّكَ..﴾. إلخ تحتمل الاستئناف، والعطف على ما قبلها، ولا محل لها على هذين الوجهين، كما تحتمل أن تكون في محل نصب حال من واو الجماعة، في: ﴿عَمِلُوا﴾ وعليه فالرابط: الواو، والضمير المحذوف، وهو مفعول:
﴿يَعْمَلُونَ﴾. تأمل، وتدبر، وربك أعلم وأجل، وأكرم.
﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾
الشرح: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾ أي: عن خلقه، فلا تنفعه طاعتهم، ولا تضره معصيتهم، فلكل عامل عمله، وجميع الخلق فقراء إليه. ﴿ذُو الرَّحْمَةِ:﴾ صاحب الرحمة الواسعة لجميع خلقه، فمن رحمته تأخير العذاب عن المذنبين لعلهم يتوبون، ويرجعون. ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أي:
Juz 3, halaman 399 ›
يهلككم، والخطاب لأهل مكة، ففيه وعيد، وتهديد لهم؛ لأن الآية مكية، كما قد عرفت، وقد بين الله مثله للمؤمنين في الآية رقم [٥/ ٥٤] وهي مدنية كما قد عرفت هناك. ويتجلى التهديد، والوعيد في الآية الأخيرة من سورة (محمد) ﵊: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾. ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ﴾ أي: ينشئ، ويخلق من بعد إهلاككم خلقا غيركم أمثل، وأطوع منكم. ﴿كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أي: كما أوجدكم من نسل قوم لم يكونوا على مثل صفتكم، بل كانوا طائعين، وهم أهل سفينة نوح، وذريتهم من بعدهم من القرون إلى زمنكم. هذا؛ وانظر شرح: (ربك) في الآية رقم [١] من سورة (الفاتحة) والآية رقم [٧/ ٢]. ﴿الرَّحْمَةِ:﴾ انظر الآية [٧/ ١٥٥]. ﴿يَشَأْ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٨]. ﴿ذُرِّيَّةِ:﴾
هي نسل بني آدم، وهي تقع على الواحد، والجمع، قيل: هي مشتقة من الذرا، وهو بفتح الذال كل ما استذريت به، يقال: أنا في ظل فلان، وفي ذراه، أي: في كنفه، وستره، ودفئه، وهو بضم الذال: أعلى الشيء. وقيل: هي مشتقة من الذرء، وهو الخلق، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ،﴾ وقال تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ من آية أخرى. أبدلت همزة الذرء ياء، ثم شدّدت الياء، وتبعتها الراء في التشديد. ﴿قَوْمٍ:﴾ انظر الآية رقم [٢٠] من سورة (المائدة).
الإعراب: ﴿وَرَبُّكَ:﴾ (ربك): مبتدأ. ﴿الْغَنِيُّ:﴾ خبر أول. ﴿ذُو:﴾ خبر ثان مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذُو:﴾ مضاف، و ﴿الرَّحْمَةِ:﴾ مضاف إليه، وقيل: ﴿الْغَنِيُّ ذُو﴾ صفتان للمبتدإ، والخبر الجملة الشرطية الآتية، والأول أقوى. ﴿إِنْ:﴾
حرف شرط جازم. ﴿يَشَأْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (ربك)، والمفعول محذوف كما قد عرفته، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.
﴿يُذْهِبْكُمْ:﴾ مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (ربك)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هو في محل رفع خبر المبتدأ، كما رأيت، والجملة الاسمية: ﴿وَرَبُّكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (يستخلف): مضارع معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، والفاعل يعود إلى (ربك) أيضا. هذا؛ ويجوز في العربية رفع (يستخلف) ونصبه، وانظر ما ذكرته من قراءات في الآية رقم [٢٨٣] (البقرة) وما تبعها من أوجه الإعراب. أما في هذه الآية لم أعثر على قراءة بغير الجزم. ﴿مِنْ بَعْدِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، ﴿ما:﴾ موصولة، أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يشاؤه. ﴿كَما:﴾ الكاف:
حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿أَنْشَأَكُمْ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (ربك)، والكاف مفعول به. ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من كاف الخطاب، التقدير: «بدلا من ذرية...» إلخ، و ﴿ذُرِّيَّةِ:﴾ مضاف، و ﴿قَوْمٍ:﴾ مضاف إليه.
﴿آخَرِينَ:﴾ صفة ﴿قَوْمٍ﴾ مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر
Juz 3, halaman 400 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.