Kitab tafsir: Tafsir ar-Razi
· Pengarang: الفخر الرازي
الْهُدَى وَالضَّلَالَ لَيْسَا إِلَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَالثَّانِي: نَقُولُ هَبْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْهِدَايَةِ وَالضَّلَالِ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ هَذَا الْحُكْمُ امْتَنَعَ مِنَ الْعَبْدِ صُدُورُ غَيْرِهِ وَإِلَّا لَزِمَ انْقِلَابُ ذَلِكَ الْحُكْمِ كَذِبًا وَالْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ وَالْمُفْضِي إِلَى المحال فَكَانَ صُدُورُ غَيْرِ ذَلِكَ الْفِعْلِ مِنَ الْعَبْدِ مُحَالًا وَذَلِكَ يُوجِبُ فَسَادَ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْبَحْثُ الثَّانِي: انْتِصَابُ قَوْلِهِ: وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ كَأَنَّهُ قِيلَ: وَخَذَلَ فَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الَّذِي لِأَجْلِهِ حَقَّتْ عَلَى هَذِهِ الْفِرْقَةِ الضَّلَالَةُ هُوَ إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله فَقَبِلُوا مَا دَعَوْهُمْ إِلَيْهِ وَلَمْ يَتَأَمَّلُوا فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا التَّفْصِيلُ مَعَ قَوْلِكُمْ بِأَنَّ الْهُدَى وَالضَّلَالَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً.
فَنَقُولُ: عِنْدَنَا مَجْمُوعُ الْقُدْرَةِ وَالدَّاعِي يُوجِبُ الْفِعْلَ وَالدَّاعِيَةُ الَّتِي دَعَتْهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ هِيَ: انهم اتخذوا الشيطان أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ مَا بَيَّنَ لَهُمْ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ وَهَذَا بَعِيدٌ/ بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عُمُومِهِ فَكُلُّ مَنْ شَرَعَ فِي بَاطِلٍ فَهُوَ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ وَالْعَذَابَ سَوَاءٌ حَسِبَ كَوْنَهُ حَقًّا أَوْ لَمْ يَحْسَبْ ذَلِكَ وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الظَّنِّ وَالْحُسْبَانِ لَا يَكْفِي فِي صِحَّةِ الدِّينِ بَلْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْجَزْمِ وَالْقَطْعِ وَالْيَقِينِ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَابَ الْكُفَّارَ بِأَنَّهُمْ يَحْسَبُونَ كَوْنَهُمْ مُهْتَدِينَ وَلَوْلَا أَنَّ هَذَا الْحُسْبَانَ مَذْمُومٌ وَإِلَّا لَمَا ذَمَّهُمْ بِذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣١ الى ٣٢]
يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)
[في قوله تعالى يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ] اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ بِالْقِسْطِ فِي الْآيَةِ الْأُولَى وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْقِسْطِ أَمَرَ اللِّبَاسَ وَأَمَرَ الْمَأْكُولَ وَالْمَشْرُوبَ لَا جَرَمَ أَتْبَعَهُ بِذِكْرِهِمَا وَأَيْضًا لَمَّا أَمَرَ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ: وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٢٩] وَكَانَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ لَا جَرَمَ أَتْبَعَهُ بِذِكْرِ اللِّبَاسِ وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً الرِّجَالُ بِالنَّهَارِ وَالنِّسَاءُ بِاللَّيْلِ وَكَانُوا إِذَا وَصَلُوا إِلَى مَسْجِدِ مِنًى طَرَحُوا ثِيَابَهُمْ وَأَتَوُا الْمَسْجِدَ عُرَاةً وَقَالُوا: لَا نَطُوفُ فِي ثِيَابٍ أَصَبْنَا فِيهَا الذُّنُوبَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: نَفْعَلُ ذَلِكَ تَفَاؤُلًا حَتَّى نَتَعَرَّى عَنِ الذُّنُوبِ كَمَا تَعَرَّيْنَا عَنِ الثِّيَابِ وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنْهُمْ تَتَّخِذُ سِتْرًا تُعَلِّقُهُ عَلَى حِقْوَيْهَا لِتَسْتَتِرَ بِهِ عَنِ الْحُمْسِ وَهُمْ قُرَيْشٌ فَإِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَكَانُوا يُصَلُّونَ فِي ثِيَابِهِمْ وَلَا يَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعَامِ إِلَّا قُوتًا وَلَا يَأْكُلُونَ دَسَمًا فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَنَحْنُ أَحَقُّ أَنَّ نَفْعَلَ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ أَيْ: «الْبَسُوا ثِيَابَكُمْ وَكُلُوا اللَّحْمَ وَالدَّسَمَ وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا» .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْمُرَادُ مِنَ الزِّينَةِ لُبْسُ الثِّيَابِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ [النُّورِ:
٣١] يَعْنِي الثِّيَابَ وَأَيْضًا فَالزِّينَةُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالسَّتْرِ التَّامِّ لِلْعَوْرَاتِ وَلِذَلِكَ صَارَ التَّزْيِينُ بِأَجْوَدِ الثِّيَابِ فِي
Juz 14, halaman 228 ›
الْجَمْعِ وَالْأَعْيَادِ سُنَّةً وَأَيْضًا إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ: قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً [الأعراف: ٢٦] فبين ان اللباس الذي يواري السوأة مِنْ قَبِيلِ الرِّيَاشِ وَالزِّينَةِ ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِأَخْذِ الزِّينَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَوَجَبَ أَنَّ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الزِّينَةِ هُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي تِلْكَ الْآيَةِ فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الزِّينَةِ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَأَيْضًا فقد اجمع المفسرين على ان المراد بالزينة هاهنا لُبْسُ الثَّوْبِ الَّذِي يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: خُذُوا زِينَتَكُمْ أَمْرٌ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ فَثَبَتَ أَنَّ أَخْذَ الزِّينَةِ وَاجِبٌ وَكُلُّ مَا سِوَى اللُّبْسِ فَغَيْرُ وَاجِبٍ فَوَجَبَ حَمْلُ الزِّينَةِ عَلَى اللُّبْسِ عَمَلًا بِالنَّصِّ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: خُذُوا زِينَتَكُمْ أَمْرٌ وَظَاهِرُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ عنه اقامة كل صلاة وهاهنا سُؤَالَانِ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: إِنَّهُ: تَعَالَى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرُ إِبَاحَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: خُذُوا زِينَتَكُمْ أَمْرَ إِبَاحَةٍ أَيْضًا وَجَوَابُهُ: إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الظَّاهِرِ فِي الْمَعْطُوفِ تَرْكُهُ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَأَيْضًا فَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ قَدْ يَكُونَانِ وَاجِبَيْنِ أَيْضًا فِي الْحُكْمِ:
السُّؤَالُ الثَّانِي: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْمَنْعِ مِنَ الطواف حال العربي.
وَالْجَوَابُ: أَنَّا بَيَّنَّا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ يَقْتَضِي وُجُوبَ اللُّبْسِ التَّامِّ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ لِأَنَّ اللُّبْسَ التَّامَّ هُوَ الزِّينَةُ تُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ فِي الْقَدْرِ الَّذِي لَا يَجِبُ سَتْرُهُ مِنَ الْأَعْضَاءِ إِجْمَاعًا فَبَقِيَ الْبَاقِي دَاخِلًا تَحْتَ اللَّفْظِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ وَجَبَ أَنْ تَفْسُدَ الصَّلَاةُ عِنْدَ تَرْكِهِ لِأَنَّ تَرْكَهُ يُوجِبُ تَرْكَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَتَرْكُ الْمَأْمُورِ بِهِ مَعْصِيَةٌ وَالْمَعْصِيَةُ تُوجِبُ الْعِقَابَ عَلَى مَا شَرَحْنَا هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فِي الْأُصُولِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: تَمَسَّكَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي مَسْأَلَةِ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِمَاءِ الْوَرْدِ فَقَالُوا: أَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ: أَقِيمُوا الصَّلاةَ [الْأَنْعَامِ: ٧٢] وَالصَّلَاةُ عِبَارَةٌ عَنِ الدُّعَاءِ وَقَدْ أَتَى بِهَا وَالْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ يُوجِبُ الْخُرُوجَ عَنِ الْعُهْدَةِ فَمُقْتَضَى هَذَا الدَّلِيلِ أَنْ لَا تَتَوَقَّفَ صِحَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ إِلَّا أَنَّا أَوْجَبْنَا هَذَا الْمَعْنَى عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَلُبْسُ الثَّوْبِ الْمَغْسُولِ بِمَاءِ الْوَرْدِ عَلَى أَقْصَى وُجُوهِ النَّظَافَةِ أَخْذُ الزِّينَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَافِيًا/ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ.
وَجَوَابُنَا: إِنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي قَوْلِهِ: أَقِيمُوا الصَّلاةَ يَنْصَرِفَانِ إِلَى الْمَعْهُودِ السَّابِقِ وَذَلِكَ هُوَ عَمَلُ الرَّسُولِ ﵌ لم قُلْتُمْ إِنَّ الرَّسُولَ ﵊ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الْمَغْسُولِ بِمَاءِ الْوَرْدِ؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا فَاعْلَمْ أَنَّا ذَكَرْنَا أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا لَا يَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعَامِ فِي أَيَّامِ حَجِّهِمْ إِلَّا الْقَلِيلَ وَكَانُوا لَا يَأْكُلُونَ الدَّسَمَ يُعَظِّمُونَ بِذَلِكَ حَجَّهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ لِبَيَانِ فَسَادِ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمَّا فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ فَحَرَّمَ عَلَيْهِمُ الْبَحِيرَةَ
Juz 14, halaman 229 ›
وَالسَّائِبَةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ بَيَانًا لِفَسَادِ قَوْلِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا مُطْلَقٌ يَتَنَاوَلُ الْأَوْقَاتَ وَالْأَحْوَالَ وَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْمَطْعُومَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ فِيهَا هُوَ الْحِلَّ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ وَفِي كُلِّ الْمَطْعُومَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ الْمُنْفَصِلُ وَالْعَقْلُ أَيْضًا مُؤَكِّدٌ لَهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَنَافِعِ الْحِلُّ وَالْإِبَاحَةُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تُسْرِفُوا فَفِيهِ قَوْلَانِ:
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ بِحَيْثُ لَا يَتَعَدَّى إِلَى الحرم وَلَا يُكْثِرُ الْإِنْفَاقَ الْمُسْتَقْبَحَ وَلَا يَتَنَاوَلُ مِقْدَارًا كَثِيرًا يَضُرُّهُ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ:
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ: إِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْإِسْرَافِ قَوْلُهُمْ بِتَحْرِيمِ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ فَإِنَّهُمْ أَخْرَجُوهَا عَنْ مِلْكِهِمْ وَتَرَكُوا الِانْتِفَاعَ بِهَا وَأَيْضًا إِنَّهُمْ حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي وَقْتِ الْحَجِّ أَيْضًا أَشْيَاءَ أَحَلَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ وَذَلِكَ إِسْرَافٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ حَمْلَ لَفْظِ الْإِسْرَافِ عَلَى الِاسْتِكْثَارِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ على المنع من لَا يَجُوزُ وَيَنْبَغِي.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ وَهَذَا نِهَايَةُ التَّهْدِيدِ لِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعَالَى بَقِيَ مَحْرُومًا عَنِ الثَّوَابِ لِأَنَّ مَعْنَى مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى الْعَبْدَ إِيصَالُهُ الثَّوَابَ إِلَيْهِ فَعَدَمُ هَذِهِ الْمَحَبَّةِ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ حُصُولِ الثَّوَابِ وَمَتَى لَمْ يَحْصُلِ الثَّوَابُ فَقَدْ حَصَلَ الْعِقَابُ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ مُكَلَّفٌ لَا يُثَابُ وَلَا يُعَاقَبُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ ظَاهِرُهَا اسْتِفْهَامٌ إِلَّا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ تَقْرِيرُ الْإِنْكَارِ وَالْمُبَالَغَةُ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ الْإِنْكَارِ وَفِي الْآيَةِ قَوْلَانِ:
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: إِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الزِّينَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ اللِّبَاسُ الَّذِي تُسْتَرُ بِهِ الْعَوْرَةُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَكَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهُ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الزِّينَةِ فَيَدْخُلُ تَحْتَ الزِّينَةِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ التَّزْيِينِ وَيَدْخُلُ تَحْتَهَا تَنْظِيفُ الْبَدَنِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَيَدْخُلُ تَحْتَهَا الْمَرْكُوبُ وَيَدْخُلُ تَحْتَهَا أَيْضًا أَنْوَاعُ الْحُلِيِّ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ زِينَةٌ وَلَوْلَا النَّصُّ الْوَارِدُ فِي تَحْرِيمِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْإِبْرِيسَمِ عَلَى الرِّجَالِ لَكَانَ ذَلِكَ دَاخِلًا تَحْتَ هَذَا الْعُمُومِ وَيَدْخُلُ تَحْتَ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ كُلُّ مَا يُسْتَلَذُّ وَيُشْتَهَى مِنْ أَنْوَاعِ الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ وَيَدْخُلُ أَيْضًا تَحْتَهُ التَّمَتُّعُ بِالنِّسَاءِ وَبِالطِّيبِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ: أَنَّهُ أَتَى الرَّسُولَ ﵌ وَقَالَ: غَلَبَنِي حَدِيثُ النَّفْسِ عَزَمْتُ عَلَى أَنْ أَخْتَصِيَ فَقَالَ: «مَهْلًا يَا عُثْمَانُ إِنَّ خِصَاءَ أُمَّتِي الصِّيَامُ» قَالَ: فَإِنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي بِالتَّرَهُّبِ. قَالَ:
«إِنَّ تَرَهُّبَ أُمَّتِي الْقُعُودُ فِي الْمَسَاجِدِ لِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ فَقَالَ: تُحَدِّثُنِي نَفْسِي بِالسِّيَاحَةِ» . فَقَالَ: «سِيَاحَةُ أُمَّتِي الْغَزْوُ وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» فَقَالَ: إِنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أَنْ أَخْرُجَ مِمَّا أَمْلِكُ فَقَالَ: «الْأَوْلَى أَنْ تَكْفِيَ نَفْسَكَ وَعِيَالَكَ وَأَنْ تَرْحَمَ الْيَتِيمَ وَالْمِسْكِينَ فَتُعْطِيَهُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» فَقَالَ: إِنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أَنْ أُطَلِّقَ خَوْلَةَ فَقَالَ: «إِنَّ الْهِجْرَةَ فِي
Juz 14, halaman 230 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.