﴿اِتَّبَعُوا﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ.﴾. و ﴿تَتْلُوا﴾ أي تتبع بمعنى: تلت، فأقام المستقبل مقام الماضي. ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ إما حال من ضمير ﴿كَفَرُوا﴾ أي كفروا معلمين، أو حال من الشياطين، أو بدل من ﴿كَفَرُوا﴾ لأن تعليم السحر كفر في المعنى، أو خبر ثان للكن. ﴿وَما أُنْزِلَ.﴾. ما: بمعنى الذي في موضع نصب بالعطف على السحر، أو في موضع نصب بالعطف على ﴿ما تَتْلُوا.﴾. أو في موضع جر بالعطف على ﴿مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾.
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ إما معطوف على ﴿يُعَلِّمانِ﴾ أو معطوف على فعل مقدر، وتقديره: يأتون فيتعلمون، أو معطوف على ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ﴾ أي يعلمونهم فيتعلمون، أو يكون مستأنفا، وهو الأوجه، والضمير لما دل عليه: من أحد.
﴿وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ﴾ أي ما هم السحرة بضارين بالسحر أحدا، ومن: زائدة. ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ، ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ اللام في ﴿لَمَنِ اشْتَراهُ﴾ لام الابتداء، و ﴿مِنْ﴾ بمعنى الذي في موضع رفع، لأنه مبتدأ، وخبره ﴿ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ﴾ واشتراه: صلته، و ﴿مِنْ﴾ زائدة لتأكيد
النفي، و ﴿خَلاقٍ﴾ مبتدأ، و ﴿لَهُ فِي الْآخِرَةِ﴾ خبره، والمبتدأ وخبره خبر المبتدأ الأول الذي هو «من» ولام ﴿لَمَنِ﴾ علّقت ﴿عَلِمُوا﴾ أن تعمل فيما بعدها. ويجوز أن تكون «من» شرطية.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ أن هاهنا مصدرية، والتقدير: ولو وقع إيمانهم، و ﴿لَوْ﴾ حرف يمتنع له الشيء لامتناع غيره، وجوابه ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ و «مثوبة» مبتدأ، وجاز الابتداء به مع كونه نكرة، لأنه تخصص بالصفة وهو ﴿مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ فقرب من المعرفة، وخبره: ﴿خَيْرٌ﴾.
البلاغة:
﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ هذا جار على الأسلوب البلاغي: وهو أن العالم بالشيء إذا لم يجر على موجب علمه قد ينزّل منزلة الجاهل به.
﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ عبر بالجملة الاسمية لإفادة الثبوت والاستقرار.
المفردات اللغوية:
﴿ما تَتْلُوا﴾ أي تلت الشياطين على عهد ملك سليمان من السحر أي في زمان ملكه، والمراد بالشياطين: شياطين الإنس والجن ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ أي وما سحر، والسحر لغة: كل ما لطف مأخذه وخفي سببه، وسحره: خدعه، والملكان: رجلان صاحبا هيبة ووقار يجلهما الناس ويحترمونهما. وبابل: بلد بالعراق في أرض الكوفة لها شهرة تاريخية قديمة ﴿فِتْنَةٌ﴾ اختبار وابتلاء ﴿اِشْتَراهُ﴾ استبدل ما تتلو الشياطين ﴿خَلاقٍ﴾ نصيب وحظ ﴿شَرَوْا﴾ باعوا. المثوبة:
المثوبة: الثواب. وكان أهل بابل قوما صابئين يعبدون الكواكب السبعة، ويسمونها آلهة، ويعتقدون أن حوادث العالم كلها من أفعالها، وهم معطّلة لا يعترفون بالصانع الواحد المبدع للكواكب وجميع أجرام العالم، وهم الذين بعث الله تعالى إليهم إبراهيم خليله صلوات الله عليه، فدعاهم إلى الله تعالى، وحاجهم بما بهرهم به وأقام عليهم به الحجة (¬١).
سبب نزول الآية (١٠٢):
قال محمد بن إسحاق: قال بعض أحبار اليهود: ألا تعجبون من محمد، يزعم أن سليمان كان نبيا؟ والله ما كان إلا ساحرا، فأنزل الله: ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾.
وأخرج الطبري عن شهر بن حوشب قال: قالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء، أفما كان ساحرا يركب الريح؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية أن اليهود سألوا النبي ﷺ زمانا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله عليه ما سألوه عنه، فيخصمهم، فلما رأوا ذلك، قالوا: هذا أعلم بما أنزل إلينا منا، وإنهم سألوه عن السحر وخاصموه به، فأنزل الله: ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ﴾.
وقال الكلبي: إن الشياطين كتبوا السحر والنّيرنجيات (تصرفات تخيل وليست حقيقة، وهو أخذ كالسحر وليس به) على لسان آصف: هذا ما علّم آصف بن برخيا-كاتب نبي الله سليمان-الملك، ثم دفنوها تحت مصلاه حين نزع الله ملكه، ولم يشعر بذلك سليمان. ولما مات سليمان استخرجوه من تحت مصلاه، وقالوا للناس: إنما ملككم سليمان بهذا فتعلموه، فلما علم علماء بني إسرائيل قالوا: معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان. وأما السفلة فقالوا: هذا علم سليمان، وأقبلوا على تعلمه، ورفضوا كتب أنبيائهم: ففشت الملامة لسليمان، فلم تزل هذه حالهم حتى بعث الله محمدا ﷺ، وأنزل الله عذر سليمان على لسانه، وأنزل براءته مما رمي به، فقال: ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ﴾.
المناسبة:
حين نبذ فريق من اليهود وهم أحبارهم وعلماؤهم التوراة، وأعرضوا عنها، لأنها تدل على نبوة محمد ﷺ، اشتغلوا بصناعات وأعمال صادّة عن الأديان، من صنع شياطين الإنس والجن، وهي السحر والشعوذة والطلاسم التي نسبوها إلى سليمان، وزعموا أن ملكه كان قائما عليها.
وهذه أباطيل منهم وسوسوا بها إلى بعض المسلمين، فصدقوهم فيما زعموا منها،