اعتبارها متعلقة بالجواب. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان ب ﴿رَسُولٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، و ﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿مُصَدِّقٌ:﴾ صفة ثانية، ﴿لَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُصَدِّقٌ﴾ وانظر الآية رقم [٤١]. ﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة جواب (لمّا) لا محلّ لها، و ﴿لَمّا﴾ ومدخولها معطوف على (﴿كُلَّما﴾) ومدخولها على الوجهين المعتبرين فيه. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿فَرِيقٌ﴾ أو بمحذوف صفة. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.
﴿كِتابَ﴾ مفعول به ل ﴿نَبَذَ،﴾ و ﴿كِتابَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَراءَ:﴾
ظرف مكان متعلق ب ﴿نَبَذَ،﴾ و ﴿وَراءَ﴾ مضاف، و ﴿ظُهُورِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كَأَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (كأنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿فَرِيقٌ﴾ وساغ ذلك لتخصصه بالوصف، والرابط الضمير فقط، وصح ذلك؛ لأنّ ﴿فَرِيقٌ﴾ بمعنى القوم، أو الجماعة، أو هي في محل رفع صفة ثانية له.
الشرح: ﴿وَاتَّبَعُوا:﴾ أي: اليهود. ﴿ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ:﴾ تحدّث، وتروي، من التّلاوة بمعنى: القراءة، أو من التلاوة بمعنى الاتّباع، فصار له معنيان، القراءة، والاتّباع. ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ:﴾ على عهد سليمان. ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ:﴾ نقل المرحوم سليمان الجمل عن السّدي ما يلي: كانت الشياطين تسترق السمع، فيسمعون كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت، وغيره، فيأتون الكهنة، ويخلطون بما يسمعون في كلّ كلمة سبعين كذبة، ويخبرونهم بها، فاكتتب الناس ذلك، وفشا في بني إسرائيل: أنّ الجنّ تعلم الغيب، فبعث سليمان في النّاس،
وجمع تلك الكتب، فجعلها في صندوق، ودفنها تحت كرسيّه، وقال: لا أسمع أنّ أحدا يقول:
إنّ الشياطين تعلم الغيب إلا ضربت عنقه، فلمّا مات سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-وذهب العلماء الذين يعرفون أمر سليمان، ودفنه الكتب، وخلف من بعدهم خلف، تمثّل لهم الشيطان على صورة إنسان، فأتى نفرا من بني إسرائيل، فقال لهم: هل أدلّكم على كنز لا تأكلونه أبدا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسيّ، فذهب معهم، وأراهم المكان، وأقام في ناحية، فقالوا: ادن، فقال: ولكنني هاهنا، فإن لم تجدوه؛ فاقتلوني، وذلك أنه لم يكن أحد من الشياطين يدنو من الكرسي إلا احترق، فحفروا، وأخرجوا تلك الكتب. فقال الشيطان: إنّ سليمان كان يضبط الجنّ، والإنس، والشياطين، والطّيور، والرّياح وغير ذلك، ويحكم فيهم بهذا، ثمّ طار الشيطان، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرا، وأخذت بنو إسرائيل تلك الكتب، فلذلك كان أكثر ما يوجد من السّحر في اليهود، فلمّا جاء سيدنا محمد ﷺ برأ الله سليمان من ذلك، وأنزل تكذيبا لمن زعم ذلك: ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ..﴾. إلخ انتهى.
﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ أي: ما كان سليمان ساحرا، ولا كفر بتعلّمه السّحر. وفيه تنزيه سليمان عن السّحر ﴿وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أنّهم كفروا باتّخاذهم السّحر، وتعليمهم النّاس. هذا؛ والسّحر كل ما لطف ودقّ. يقال: سحره: إذا أبدى له أمرا يدقّ عليه، ويخفى.
قال الغزاليّ في الإحياء ما نصّه: السّحر نوع يستفاد من العلم بخواصّ الجواهر، وبأمور حسابيّة في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الحواس هيكل على صورة الشّخص المسحور، ويترصّد له وقت مخصوص من المطالع، وتقرن به كلمات يتلفّظ بها من الكفر، والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الاستغاثة بالشّياطين، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله العادة أحوال غريبة في الشّخص المسحور. هذا؛ وسمّي الأكل في اللّيل سحورا؛ لأنه يقع خفيّا آخر اللّيل، والسّحر بفتح الحاء: الرّئة، وسميت بذلك لخفائها، ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن، كما قال أبو جهل الخبيث يوم بدر لعتبة: انتفخ السّحر، أي انتفخت رئته من الخوف، وقالت عائشة-﵂: توفي رسول الله ﷺ بين سحري، ونحري. ﴿فِتْنَةٌ:﴾ ابتلاء، واختبار من الله للنّاس، فمن تعلمه كفر، ومن تركه؛ فهو مؤمن، والفتنة: المحنة، والاختبار، ومنه قول الشاعر: [المتقارب]
وقد فتن النّاس في دينهم... وخلّى ابن عفّان شرّا طويلا
هذا؛ والمعتمد: أنّ تعلّمه لدفع الضرر عن نفسه، وعن غيره، أو اتّخذه الشخص ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله؛ بقي على الإيمان، فلا كفر باعتقاد حقيقته، وجواز العمل به من غير إضرار أحد. انتهى من أبي السعود بتصرف، وقد ذكر ذلك البخاريّ في باب الطّبّ، انظر القسطلاني في شرح البخاريّ.
هذا؛ وبعضهم يعتبر السّحر من الكبائر التي نهى الله عنها، ويرى تحريمه، من ذلك ما روي عن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قيل:
يا رسول الله! وما هنّ؟ قال: «الإشراك بالله، والسّحر، وقتل النفس الّتي حرّم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، والزنى، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات».
أخرجه البخاريّ، ومسلم، ويروى: «أكل الربا» بدل «الزنى». وأيضا ما روي عن جابر بن عبد الله-﵄-عن النبي ﷺ قال: «من أتى كاهنا، أو ساحرا، فصدّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمّد ﷺ». رواه بإسناد جيّد قويّ.
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما:﴾ من الملكين. ﴿ما يُفَرِّقُونَ بِهِ:﴾ بالسّحر. ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ:﴾ الرّجل، وضم الميم فيه لغة تقول: هذا مرء صالح، وهما مرءان، وجمعه رجال من غير لفظه، والمؤنثة:
امرأة، والمثنى: امرأتان، وجمعها من غير لفظه نساء. ﴿وَما هُمْ﴾ أي: السّحرة ﴿بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: بإرادته، وقضائه، لا بأمره؛ لأنّ الله لا يأمر بالفحشاء، ويقضي على الخلق بها.
﴿وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ﴾ أي: في الغالب بسبب استعماله في إيذاء الناس. ﴿وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ أي: في الآخرة، إن أخذوا على استعماله دريهمات في الدّنيا؛ فلا قيمة لها بجانب الضّرر الذي يلحقهم في الآخرة. ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ:﴾ اختاره صنعة، أو استبدله بكتاب الله. ﴿ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ:﴾ من نصيب. ﴿وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: البديل الذي استبدلوا به من السّحر عوضا من الإيمان، ومتابعة الرّسول ﷺ، ولو كان لهم علم بما وعظوا به؛ لاتّعظوا، وانتفعوا. وهذا جار على الأسلوب المعروف في فنون البلاغة من أنّ العالم بالشيء إذا لم يجر على موجب علمه قد ينزّل منزلة الجاهل به، وينفى عنه العلم، كما ينفى عن الجاهلين، والحكمة من تعليم الملكين النّاس السّحر: أن السحر كثر في ذلك الزّمن واخترعوا فنونا غريبة من السّحر، وربما زعموا: أنّهم أنبياء، فبعث الله تعالى الملكين؛ ليعلما النّاس وجوه السحر؛ حتّى يتمكّنوا من التمييز بينه، وبين المعجزة، ويعرفوا:
أنّ الذين يدّعون النّبوة كذبا إنّما هم سحرة، لا أنبياء.
تنبيه: روى الترمذيّ عن جندب الأزديّ-﵁: أنّه قال: قال رسول الله ﷺ:
«حدّ السّاحر ضربه بالسّيف». وقد روي من طرق متعدّدة: أن الوليد بن عقبة، كان عنده ساحر يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرّجل، ثم يصيح به، فيرد إليه الرأس. فقال النّاس: سبحان الله! يحيي الموتى! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد جاء مشتملا على سيفه، وذهب السّاحر يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرّجل سيفه، وضرب به عنق السّاحر، وقال: إن كان صادقا فليحيي نفسه، وتلا قول الله تعالى: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فغضب الوليد؛ إذ