وأما الصلاة على ظهر الكعبة، فأجازها الشافعي، وقال مالك: من صلى على ظهر الكعبة، أعاد في الوقت. وقال أبو حنيفة: من صلى على ظهر الكعبة، أعاد في الوقت. وقال أحمد: من صلى على ظهر الكعبة، فلا شيء عليه.
وهل الصلاة عند البيت أفضل أو الطواف به؟ اختلفوا، فقال مالك:
الطواف لأهل الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل. والجمهور على أن الصلاة أفضل.
﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ أي يقولان: ربنا تقبل منا، فحذف «يقولان» وحذف القول كثير في كتاب الله وكلام العرب.
البلاغة:
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ﴾ عبر بالمضارع عن الماضي، لاستحضار الصورة الماضية وكأنها مشاهدة بالعصيان، فكأن السامع ينظر ويرى إلى البنيان وهو يرتفع، وإلى البنّاء وهو إبراهيم وإسماعيل
﴿التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ من صيغ المبالغة، على وزن فعّال وفعيل.
المفردات اللغوية:
﴿الْقَواعِدَ﴾ واحدها قاعدة، وهي ما يقوم عليه البناء من الأساس أو من طبقات البناء، فالقواعد: هي الأسس أو الجدران. ورفعها: إعلاء البناء عليها. وتقبّل الله العمل: قبله ورضي به.
﴿مُسْلِمَيْنِ﴾ منقادين لك ﴿أُمَّةً﴾ جماعة ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِنا﴾ أي اجعل من أولادنا، ومن للتبعيض، وأتى به لتقدم قوله: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾، ﴿مَناسِكَنا﴾ شرائع عبادتنا أو حجنا، واحدها منسك-بفتح السين، من النسك: وهو غاية الخضوع والعبادة، وشاع استعماله في عبادة الحج خاصة، كما شاع استعمال المناسك في معالم الحج وأعماله لما فيها من الكلفة والبعد عن العادة. ﴿وَتُبْ عَلَيْنا﴾ سألاه التوبة، مع عصمتهما تواضعا وتعليما لذريتهما. وتاب العبد إلى ربه: إذا رجع إليه، لأن اقتراف الذنب إعراض عن الله وعن موجبات رضوانه، وتاب الله على العبد: رحمه وعطف عليه.
﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ﴾ أي أهل البيت ﴿رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ من أنفسهم، وقد أجاب الله دعاءه بمحمد ﷺ ﴿الْكِتابَ﴾ القرآن ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ أسرار الأحكام الدينية ومعرفة مقاصد الشريعة ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يطهر نفوسهم من دنس الشرك وأنواع المعاصي ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب ﴿الْحَكِيمُ﴾ أي الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة.
المناسبة:
بعد أن ذكّر الله تعالى العرب بما أنعم عليهم من فضائل البيت الحرام، أردف ذلك بتذكيرهم بأن الذي بنى البيت هو أبوهم إبراهيم مع ابنه إسماعيل، ليجذبهم بذلك إلى الاقتداء بسلفهم الصالح الذي ينتمون إليه، وقد كانت قريش تنتسب إلى إبراهيم وإسماعيل، وتدعي أنها على ملة إبراهيم، وسائر العرب في ذلك تبع لقريش.
واذكر يا محمد لقومك وقت أن بنى إبراهيم وابنه إسماعيل قواعد البيت وأساسه، والفضيلة في كون البنّاءين نبيين، وفي تخصيصه للعبادة وسط بلاد وثنية، لا في أفضلية أحجاره ولا موقعه ولا بأنه نزل من السماء. وجعل التوجه إليه توجها إلى الله الذي لا يحده مكان ولا تحصره جهة، وعدّ استلام الحجر الأسود تعبديا كاستقبال الكعبة في الصلاة، فلا مزية له في ذاته، بل هو كسائر الأحجار بدليل قول عمر بن الخطاب عند استلامه: «أما والله، إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبّلك ما قبّلتك، ثم دنا فقبّله» (¬١).
وفي أثناء إقامة البناء يدعو إبراهيم وإسماعيل قائلين: ربنا إنك أنت السميع لدعائنا، العليم بنياتنا في جميع أعمالنا، ربنا واجعلنا منقادين لك، ومخلصين في الاعتقاد فلا نتوجه إلا إليك، ولا نستعين بأحد إلا بك، وفي العمل بألا نقصد بعملنا إلا مرضاتك. ربنا واجعل من ذريتنا جماعة مخلصة لك، منقادة لأوامرك، ليستمر الإسلام دائما في الأجيال. ربنا بصّرنا وعرفنا أمور عبادتنا ومواضع نسكنا، أي أعمال الحج، كمواقيت الإحرام، وموضع الوقوف بعرفة، وموضع الطواف والسعي، واقبل توبتنا، إنك أنت التواب الرحيم، أي كثير التوبة على عبادك بقبولها منهم، الرحيم بالتائبين لإنجائهم من العذاب.
وهذا منهما إرشاد لذريتهم، وطلب للتثبت والدوام على الطاعة، لا أنهما كان لهما ذنب، لأن الأنبياء معصومون، وليبينوا للناس بعد معرفة المناسك وبناء البيت أن ذلك الموقف وتلك المواضع، مكان التطهر من الذنوب وطلب التوبة.