﴿وَأَمْناً﴾ فيه استعمال المصدر محل اسم الفاعل للمبالغة، وتقديره: وآمنا.
و ﴿طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ إضافة البيت لله ﷿ للتشريف والتعظيم، لا أن هناك مكانا محل الله تعالى.
المفردات اللغوية:
﴿اِبْتَلى إِبْراهِيمَ﴾ اختبره، والابتلاء: الاختبار، أي معرفة حال المختبر بتكليفه بأمور يشق عليه فعلها أو تركها، ليجازيه عليها. ﴿بِكَلِماتٍ﴾ أي أوامر ونواه، قيل: هي مناسك الحج، وقيل خصال الفطرة: وهي المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب وفرق الشعر وقلم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء. ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أداهن تامات. ﴿إِماماً﴾ قدوة في الدين أو رسولا. ﴿ذُرِّيَّتِي﴾ أولادي، أي اجعل أئمة منهم. ﴿عَهْدِي﴾ بالإمامة. ﴿الظّالِمِينَ﴾ الكافرين منهم، دل على أنه ينال غير الظالم.
﴿الْبَيْتَ﴾ بيت الله الحرام أو الكعبة. ﴿مَثابَةً﴾ مرجعا ومآبا يثوبون إليه من كل جانب. ﴿وَأَمْناً﴾ مأمنا من الظلم والإغارة الواقعة في غيره، كان الرجل يلقى قاتل أبيه، فلا يتعرض له ﴿مَقامِ إِبْراهِيمَ﴾ هو الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت. ﴿مُصَلًّى﴾ مكان صلاة، بأن تصلوا خلفه ركعتي الطواف.
﴿طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ من الأوثان. ﴿الْعاكِفِينَ﴾ المقيمين فيه، الملازمين له. و ﴿الثَّمَراتِ﴾ المأكولات التي تخرجها الأرض. والاضطرار: الإلجاء والحمل على الشيء أو الإكراه.
سبب نزول الآية (١٢٥):
﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾:
روى البخاري وغيره عن عمر قال:
وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو أخذت من مقام إبراهيم مصلّى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾. وقلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله ﷺ نساؤه في الغيرة، فقلت لهن: ﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ﴾ [التحريم ٥/ ٦٦] فنزلت.
بعد أن ذكّر الله تعالى بني إسرائيل نعمه، وأبان كيف قابلوا النعم بالكفر والجحود، أعقب ذلك بقصة إبراهيم ﵇ أبي الأنبياء، الذي يزعم اليهود والنصارى انتماءهم إليه، ولو صدقوا لا تبعوا النبي محمدا ﷺ، لأنه أثر دعوة أبيه إبراهيم حين دعا لأهل الحرم، فالكلام كله متصل مع أهل الكتاب.
التفسير والبيان:
واذكر يا محمد لقومك المشركين وغيرهم حين اختبر الله إبراهيم ببعض التكاليف من أوامر ونواه، فأتى بها على وجه الكمال، وأداها خير أداء، كما قال سبحانه: ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ [النجم ٣٧/ ٥٣]. وبما أن الله تعالى عالم بصدق المختبر، فكان المراد أنه عامله معاملة المختبر، ليظهر ذلك للخلق.
والمراد من ذكر الوقت في قوله ﴿وَإِذِ ابْتَلى﴾ ما وقع فيه من الحوادث. ولم يعين القرآن الكلمات، فقيل: هي مناسك الحج، وقيل: إنها الكوكب والشمس والقمر التي رآها واستدل بأفولها على وحدانية الله تعالى، وقيل: غير ذلك.
فجازاه الله تعالى أحسن الجزاء، وقال له: إني جاعلك للناس رسولا وإماما تؤمهم في دينهم، ويأتمون بك في هذه الخصال، ويقتدي بك الصالحون، فدعا الناس إلى ملة التوحيد ونبذ الشرك.
قال إبراهيم: وجاعل بعض ذريتي كذلك؟ متمنيا لذريته الخير في سلوكهم ودينهم وأخلاقهم، ولا غرو فالإنسان يتمنى أن يكون ابنه أحسن منه.
فأجابه الله تعالى: أجبتك إلى طلبك، وسأجعل من ذريتك أئمة للناس، ولكن لا ينال عهدي بالإمامة أو النبوة الظالمين الذين ظلموا أنفسهم، إذ هم لا يصلحون أن يكونوا قدوة للناس، لأن الإمام قدوة للناس في حراسة الدين
وأهله وحمل الأتباع على الاستقامة، ومنع الجور، فإذا كان الإمام ظالما لنفسه بالانحراف، فكيف يقوّم غيره؟ والمراد بالعهد: النبوة أو الإمامة.
وفيه دليل على مقت الظلم، والتنفير من الظالمين، والبعد عنهم.
ثم ذكرّ الله تعالى العرب في هذه الآيات بنعم كثيرة، منها: جعل البيت الحرام (الكعبة) مرجعا للناس يقصدونه، ومآبا يثوبون إليه للعبادة وقت الحج وغيره، وفي ذلك تنشيط لحركة التجارة والاقتصاد وجلب الخير، ومنها جعله مأمنا يطمئن إليه الأفراد من المخاوف، فمن دخله كان آمنا، ويتخطف الناس من حوله، كما قال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً، وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ، أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ، وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ؟﴾ [العنكبوت ٦٧/ ٢٩].
ثم أمر الله المسلمين أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى، بأن يفضلوه على غيره في الصلاة، لشرفه بقيام إبراهيم فيه، فالأمر فيه للندب، لا للوجوب، والمسلمون مأمورون بذلك كما أمر به المؤمنون المعاصرون لإبراهيم الخليل ﵇.
وهذا البيت طاهر مطهر، وصينا إبراهيم وإسماعيل بتطهيره من الأوثان وعبادة الأصنام التي كان عليها المشركون قبل أن يصير في يد إبراهيم ﵇، وتطهيره من كل رجس حسي أو دنس معنوي كاللغو والرفث والتنازع فيه، حين أداء المناسك والعبادات كالطواف والسعي بين الصفا والمروة، والإقامة فيه، والركوع والسجود،
وقد روي عن النّبي ﷺ: أنه لما فتح مكة، دخل المسجد، فوجدهم قد نصبوا على البيت الأوثان، فأمر بكسرها، وجعل يطعن فيها بعود في يده، ويقول: ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ، إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء ٨١/ ١٧].
وفيه أن إبراهيم ومن بعده كانوا مأمورين بهذه العبادات، وإن لم تعرف