وإنما فرضه الله على كل أُمة، لما له من فوائد جسمية وروحية.
والحكمة في تشبيه فرضه علينا بفرضه على من كان قبلنا، هي تخفيف مشقته على الصائمين، فإنه إذا كان شريعة عامة في جميع الديانات، كان ذلك أدى إلى الصبر عليه، وعدم التقصير فيه. ولأهميته جُعِل الركن الرابع من أركان الإسلام، كما في الحديث الصحيح المجمع عليه: "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصومِ رمضان، والحجِّ". رواه ابن عمر عن الرسول ﷺ.
وشرعًا: الإمساك عن الطعام والشراب ومباشرة النساء، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، مع تبييت النية.
وللصيام آثار حسنة كثيرة.
فهو يربي الوازع النفساني، وينمي الإرادة، ويبعث على الخير، ويقمع الشر، ويُعلم الصبر، ويحقق المساواة بين الفقير والغني في الجوع، ويذكر الغني أخاه الفقير، فيعطف عليه، ويعينه .. إلى غير ذلك من الفضائل. وله فوائد صحية عديدة، أجمع عليها الأطباءُ.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: لعلكم بالصوم تتقون المعاصي، فإنه يذكر الصائم بخشية ربه، ولذا حببه الرسول إلى الشباب الذين لا يجدون مئونة الزواج.
فقد جاء في الصحيحين: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاءٌ". (¬٢)
ومن ذلك: ما رواه الشيخان عن النبي ﷺ: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه". وما رواه مسلم في حديث قدسي:
"كل عمل ابن آدم له، يُضاعف الحسنة بعشر أمثالها، إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به".
١٨٤ - ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ … ﴾ الآية.
أي كتبه أيامًا قليلة تُعد.
والمراد بالأيام المعدودات: شهر رمضان، الذي سيصرح به في الآية التالية، وهذا هو رأي ابن عباس، وأكثر المحققين وأحد قولي الشافعي، فيكون الله قد أخبرنا - أولًا - بأنه كتب علينا الصيام، ثم بين عدته بيانًا يُقصد به التخفيف، بقوله: (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) ثم بينه بيانًا تامًا بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ … الخ.
والتعبير عن الشهر: بأنه أيام معدودات، لتقليل مدته، والتيسير على الصائمين وكأنه - تعالى - يقول: فرضناه شهرً تُعَدُّ أيامه: ولم نفرضه أكثر من ذلك، رحمة بكم، وتيسيرًا عليكم.
وقيل: المراد بالأيام المعدودات: ثلاثة أيام من كل شهر قمري في وسطه، وهي أيام الليالي البيض: الثالث عشر والتاليان له، ونسخ صيامها بشهر رمضان، ونسب هذا الرأي إلى ابن عباس وجماعة.
والراجح الأول.
ويكن تحقيق دليل كلٍّ في المطولات.
﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِ يضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ منْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾: أي فمن مرض منكم أو سافر فله أن يفطر مدة المرض أو السفر، ثم يقضي أيامًا بعدة أيام فطره.