بذلك أهل الكتاب. وروي عن الشعبي والسدي، وعطاء الخراساني، مثله.
ثم بين حكم الصيام على ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فقال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أي: المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر، لما في ذلك من الشقة عليهما، بل يفطران ويقضيان بعدة ذلك من أيَّام آخر.
وأمَّا الصَّحيح المقيم الذي يطلق الصيام، فقد كان مخيرًا بين الصيام وبين الإطعام، أن شاء صام، وإن شاء أفطر، وأطعم عن كل يوم مسكينًا، فإن أطعم أكثر من مسكين عن كل يوم فهو خير، وإن صام فهو أفضل من الأطعام، قاله ابن مسعود وابن عباس، ومجاهد [وطاوس، ومقاتل بن حيان] [¬١] وغيرهم من السلف، ولهذا قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا فَهُوَ خَيرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
و [¬٢] قال الإمام أحمد (¬٩٧٤): حدَّثنا أبو النضر، حدَّثنا المسعودي، حدَّثنا عمرو بن مرَّة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: أحيلت الصَّلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال، فأما أحوال الصَّلاة: فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قدم المدينة وهو يصلِّي سبعة عشر شهرًا إلي بيت المقدس، ثم إن الله ﷿ أنزل عليه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾. الآية. فوجهه الله إلى مكّة. هذا حول.
قال: وكانوا يجتمعون للصلاة ويُؤذِنُ بها بعضهم بعضًا حتى نقسوا، أو كادوا ينقسون. ثم إن رجلًا من الأنصار، يقال له عبد الله بن زيد [بن ثعلبة بن عبد ربه] [¬٣] أتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله؛ إنِّي رأيت فيما يرى النائم ولو قلت: أني لم أكن نائمًا لصدقت، أني بينا أنا بين النائم واليقظان، إذ رأيت شخصًا عليه ثوبان أخضران فاستقبل القبلة، فقال: الله أكبر الله أكبر، أشهد ألا إله إلَّا الله -مثنى- حتَّى فرغ من الأذان، ثم أمهل ساعة، ثم قال مثل الذي قال، غير أنَّه يزيد [¬٤] في ذلك: قد قامت الصَّلاة- مرتين [¬٥]- قال رسول الله ﷺ: "علمها بلالًا فليؤذن بها"، فكان بلال أول من أذن بها. قال: وجاء عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله؛ [إنه] [¬٦] قد طاف لي مثل الذي طاف به غير أنَّه سبقني، فهذان حالان [¬٧].
قال: وكانوا يأتون الصَّلاة وقد [¬١] سبقهم النَّبيُّ ﷺ ببعضها، فكان الرجل يشير إلى الرجل أن [¬٢] كم صلى؟ فيقول: واحدة أو اثنتين، فيصليهما، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم، قال: فجاء معاذ فقال: لا أجده على حاد أبدًا إلَّا كنت عليها، ثم قضيت ما سبقني. قال: فجاء وقد سبقه النَّبيُّ ﷺ ببعضها، قال: فثبت معه، فلما قضى رسول الله ﷺ، قام فقضى، فقال رسول الله ﷺ: "إنَّه قد سن لكم معاذ فهكذا فاصنعوا". فهذه ثلاثة أحوال.
وأما أحوال الصيام: فإن رسول الله ﷺ قدم المدينة، فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيَّام وصام عاشوراء، ثم إن الله فرض عليه الصيام، وأنزل الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلي قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، فكان من شاء صام، ومن شاء أطعم مسكينا، فأجزأ ذلك عنه.
ثم إن الله ﷿ أنزل الآية الأخرى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. فأثبت الله صيامه على المقيم الصَّحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، فهذان حالان [¬٣].
قال: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلًا من الأنصار يقال له صرمة، كان يعمل صائمًا حتَّى أمسى فجاء إلي أهله فصلَّى العشاء، ثم نام فلم يأكل ولم يشرب، حتَّى أصبح، فأصبح صائمًا، فرآه رسول الله ﷺ وقد جهد جهدًا شديدًا [فقال: "ما لي أراك قد جهدت جهدًا شديدًا] [¬٤]؟ قال: يا رسول الله؛ إني عملت أمس فجئت حين جئت، فألقيت نفسي فنمت، فأصبحت حين أصبحت صائمًا. قال: وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام، فأتى النَّبيّ ﷺ فذكر له ذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾.
وأخرجه أبو داود في "سننه"، والحاكم في "مستدركه" من حديث المسعودي، به (¬٩٧٥).
وقد أخرج البُخاريّ ومسلم (¬٩٧٦): من حديث الزُّهريّ، عن عروة، عن عائشة أنَّها قالت:
كان عاشوراء يصام، فلما نزل فرض [¬١] رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر. وروى البُخاريّ (¬٩٧٧) عن ابن عمر وابن مسعود مثله.
وقوله تعالى [¬٢]: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كما قال معاذ ﵁: كان في ابتداء الأمر من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينًا.
وهكذا روى البُخاريّ عن سلمة بن الأكوع، أنَّه قال: لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يفطر يفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها (¬٩٧٨).
وروى أيضًا (¬٩٧٩): من حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: هي منسوخة.
وقال السدي: عن مرَّة، عن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: يقول: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي: يتجشمونه. قال عبد الله: فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا. ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ قال: يقول أطعم مسكينًا آخر ﴿فَهُوَ خَيرٌ لَهُ﴾ وأن تصوموا خير لكم فكانوا [¬٣] كذلك حتى نسختها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
وقال البُخاريّ أيضًا (¬٩٨٠): أخبرنا [¬٤] إسحاق، أخبرنا روح، حدَّثنا زكريا بن إسحاق، حدَّثنا عمرو بن دينار، عن عطاء، سمع ابن عباس يقرأ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قال ابن عباس: ليست منسوخة، هو الشَّيخ [¬٥] الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا.
وهكذا روى غير واحد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، نحوه.