﴿الرَّفَثُ﴾: كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من المرأة، قاله الزجاج. وفي الكشاف: هو الإفصاح بما ينبغي أن يكنى عنه بين الرجل والمرأة، ورفث في كلامه: أفحش. والمراد من الرفث في الآية: المباشرة الزوجية.
وعن ابن عباس، قال: كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء، حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة. ثم إن أُناسًا من المسلمين أصابوا من النساء والطعام
وعن ابن عباس - أيضًا - قال: إن الناس كانوا - قبل أن ينزل في الصوم ما نزل فيه - يأكلون ويشربون، ويحل لهم شأن النساء، فإذا نام أحدهم، لم يطعم ولم يشرب ولا يأْتي أهله، حتى يفطر من القابلة، فبلغنا أن عمر بن الخطاب بعدما نام ووجب عليه الصوم، وقع على أهله، ثم جاء إلى النبي ﷺ فقال: أشكو إلى الله وإليك الذي صنعت. قال: وماذا صنعت؟ قال: إني سَوَّلَت لي نفسي فوقعت على أهلي بعد ما نمت، وأنا أُريد الصوم، فزعموا أن النبي ﷺ قال: "ما كنت خليقًا أن تفعل"، فنزل الكتاب: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ذكره ابن كثير.
ومن ذلك يُفهم: أن الأكل والشرب والجماع، كانت محرمة عليهم من العشاء، أَو من بعد النوم إلى الفجر، فخالفوا - وهم بشر - قبل أن يُشَدد الإسلام النكير على المخالفين في ذلك، ويستدلون للتحريم السابق، بقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾.
وقد دلت هذه الآية: علىلا جعل الصيام من الفجر إلى المغرب، بنص الآية. وهذا يدل على أن الصيام قبل ذلك لم يكن بهذه الصورة. ويشهد لذلك أيضًا قوله:
﴿كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾.
وبعضهم فسَّر الآية بأنَّ بعض الصحابة خالف ما اعتقد أنه واجب الأداءِ، وهو بدءُ الصيام من العشاء.
أما جُملة ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ فلا تدل على أنه كان حرامًا، وإنما لتقرير إباحته، مثل قوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ (¬١).
والمعنى: أُحل لكم أيها المؤمنون، جماع زوجاتكم ليلة الصيام دون حرج.
﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾: هذه الجملة في قوة التعليل للإباحة، وهي مجاز عن أن كليهما يمنع الآخر عما لا يحل، فكما يمنع اللباس الحر والبرد، فكذلك كل من الزوجين يمنع الآخر، ويستره عن الفاحشة، بما أحله الله له من المباشرة.
وقا ابن عباس معناه: هن سكن لكم وأنتم سكن لهن.
﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾: بغشيان نسائكم وإنقاص حَظَّ أنفسكم من الثواب وتعريضها للعقاب بفعل ما تعتقدونه محرمًا عليكم.
﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾: أي قبل توبتكم ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾: أي محا أثره عنكم، فلم يَعُدْ فعله خطيئة لكم.
﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾: بهذا أزال الله عن المؤمنين الحرج، فأباح لهم أن يباشروا نسائهم ليلة الصيام، مع مراعاة أن الهدف ليس إرضاءَ الشهوات فحسب، بل إعفاء الزوجين، وحفظ النوع الإنساني، فينبغي أن ينوي ذلك بالمباشرة كما سنَّها الله.
أحلت هذه الآية للصائمين: أن يباشروا زوجاتهم، وأن يأكلوا ويشربوا عن غروب الشمس إلى طلوع الفجر. والخيط الأبيض: كناية عن الشعاع الضوئي الممتد بعرض الأُفق، فإذا بدأ ظهوره، تميز من فوقه الليل أسود اللون، وهو الذي كنَّتْ عنه الآية بالخيط الأسود، فإذا اجتمعا على هذا النحو، كان الفجر.
فالفجر: عبارة عن مجموع الخيطين الأبيض والأسود. ولذا بينهما الله مجتمعين بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ ولكون الفجر مجموع الخيطين، قال الشاعر: